فهرس الكتاب

الصفحة 2626 من 2668

عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"مَا كُنْتُ لأقِيمَ حَدًّا عَلَى أَحَدٍ فَيمُوتَ، فَأَجِدَ فِي نَفْسِي، إِلاَّ صَاحِبَ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ - أيْ دَفَعْتُ دِيَتَهُ -؛ وَذلِكَ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسُنَّهُ - أيْ لَمْ يَضَعْ له حَدًَّا شَرْعِيًَّا -"أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ.

وَكُلُّ جَرِيمَةٍ لا حَدَّ لَهَا فَعُقُوبَتُهَا تَعْزِيرٌ وهِيَ مَوْكُولَةٌ إلى اجْتِهَادِ الإِمَامِ.

وقد اختلف أهل العلم فِي عُقُوبَةِ شَارِبِ الخَمْرِ: هَلْ هِيَ حَدٌّ أو تَعْزِيرٌ؟ على ثَلاثَةِ أقْوَالٍ:

الأَوَّل: أنَّهَا تَعْزِيرٌ أيْ تَأدِيبٌ مُفَوّضٌ إلى اجْتِهَادِ الإِمَامِ، وبِهذا قَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، مِنْهُم الطَّحَاوِي ورَجَّحَ الشَّوْكَانِي أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ من العُقُوبَةِ، وأَنَّ عُقُوبَةَ شَارِبِ الخَمْرِ تَرْجِعُ إلى اجْتِهَادِ الإمَامِ، ومُؤَدَّى كَلامُهُ هذا أَنَّ عُقُوبَتَهُ تَعْزِير لا حَدّ.

القَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ شَارِبَ الخَمْرِ يُعَاقُبُ حَدًّا مِقْدَارُهُ ثَمَانُونَ جَلْدَةً، وبِهذا قَالَ مَالِكٌ والثَّوْرِي وأَبُو حَنِيْفَةَ ومن تبعهم لإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، (فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ، وَالنِّعَالِ، ثُمَّ جَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ، وَدَنَا النَّاسُ مِنَ الرِّيفِ وَالْقُرَى، قَالَ: مَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ الْخَمْرِ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا كَأَخَفِّ الْحُدُودِ، قَالَ: فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ"أخرجه مسلم وأبو داود والنَّسَائِيّ. وَفِي الْمُوَطَّإِ عَن ثَوْر بن زيد أَن عمر اسْتَشَارَ فِي الْخَمْرِ يَشْرَبُهَا الرَّجُلُ؟ فَقَالَ لَهُ عَلّيٌّ: نرَى أَن تجلده ثَمَانِينَ. فَإِنَّهُ أرَى أَنْ تَجلدهُ ثَمَانِينَ جَلْدَة، فإنَّهُ إذا شَرِبَ سَكِرَ، وإذا سَكِرَ هَذَى، وإذَا هَذَى افتَرَى، فَجَلَدَ عُمَرُ فِي حَدِّ الخَمْرِ ثَمَانِينَ"اهـ(3) .

الثَّالِثُ: أنَّها حَدٌّ مقداره أربعون جَلْدَةً، وهو اختيار الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ومذهب الشَّافِعِيّ، لأَنَّ عَلِيًّا جَلَدَ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ قَالَ:"جَلَدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قال ابْنُ قدامة فِي"الْمُغْنِي":"وَفِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّةٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَا خَالَفَ فِعْلَ النَّبِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَتُحْمَلُ الزِّيَادَةُ مِنْ عُمَرَ عَلَى أَنَّهَا تَعْزِيرٌ، يَجُوزُ فِعْلُهَا إذَا رَآهُ الْإِمَامُ"اهـ (4) .

ويتلخص مِمَّا ذَكَرْنَا أنَّ فِي عُقوبة الخمر ثَلاثَةَ مَذَاهِب:

1 -أنَّهَا تَعْزِيرٌ مَحْضٌ، لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يسن فِي ذلك حَدًَّا مُعَيَّنًَا، ولإِمَامِ المُسْلِمِينَ أنْ يُعَاقِبَ الشَّارِبُ بِمَا أدَّى إليه اجْتِهَادُهُ.

2 -أنَّهَا حَدٌّ شَرْعِيٌّ مُقَدَّرٌ بِثَمَانِينَ جَلْدَةً، وهو مذهب جمهور أهل العلم.

3 -أَنَّ الأَرْبَعَينَ جَلْدَةً حَدٌّ، وما زَادَ فهو تَعْزِيرٌ، وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، ورِوَايَةٌ عن أَحْمَدَ اختارها ابن قدامة وابن تيمية وابن القيم والشيخ عبد الرحمن السَّعْدِي. قال ابْنُ تَيْمِيَةَ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت