وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِمَا رُوِيَ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:"اقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَسَبِّحْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ" (12) . وَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ لَوْ وَجَبَتْ فِي بَقِيَّةِ الرَّكَعَاتِ، لَسُنَّ الْجَهْرُ بِهَا فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ، كَالْأُولَيَيْنِ.
وَعَنْ الْحَسَنِ: أَنَّهُ إنْ قَرَأَ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، أَجْزَأَهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} . وَعَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ إنْ قَرَأَ فِي ثَلَاثٍ، أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهَا مُعْظَمُ الصَّلَاةِ. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَيُطَوِّلُ الْأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيُسْمِعُ الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ «وَقَالَ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (13 ) ) اهـ (14) .
والخُلاصَةُ: ما قَالَهُ فِي"نَيْلِ الأَوْطَارِ":"وَظَاهِرُ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ وُجُوبُ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَبَيْنَ إسْرَارِ الْإِمَامِ وَجَهْرِهِ. وَمِنْ جُمْلَةِ الْمُؤَيِّدَاتِ لِوُجُوبِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صَلَّى رَكْعَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَلَمْ يُصَلِّ إلَّا وَرَاءَ الْإِمَامِ» وَذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْهَادِي وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ وَدَاوُد وَإِسْحَاقُ إلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الصَّلاةِ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَقُرْآنٍ مَعَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي أَيِّ رَكْعَةٍ أَوْ مُفَرَّقَةً. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالنَّاصِرُ: إنَّ الْوَاجِبَ الْقِرَاءَةُ فِي الْأُوْلَيَيْنِ، وَكَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ لِلْفَاتِحَةِ كَمَا سَلَفَ عَنْهُ. وَأَمَّا الْأُخْرَيَانِ فَلَا تَتَعَيَّنُ الْقِرَاءَةُ فِيهِمَا عِنْدَهُمْ بَلْ إنْ شَاءَ قَرَأَ وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ زَادَ أَبُو حَنِيفَةَ وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ. وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ الْفَاتِحَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ فَإِنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ لِلصَّلَاةِ هُوَ جَمِيعُهَا لَا بَعْضُهَا. وَقَدْ عَرَفْت الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهَا فِي الْأُولَيَيْنِ فَقَطْ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْأُوْلَيَيْنِ وَسَبَّحَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِتَعَيُّنِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ هَلْ تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ نَسِيَهَا فَذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ إنْ نَسِيَهَا فِي رَكْعَةٍ مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ نَسِيَهَا فِي رَكْعَةٍ مَنْ صَلَّى ثُلَاثِيَّةً أَوْ رُبَاعِيَّةً فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يُعِيدُهَا وَلَا تُجْزِئُهُ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنْ يُعِيدَ تِلْكَ الرَّكْعَةَ وَيَسْجُدَ لِلسَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ"اهـ (15) .
والمطابقة: فِي كَوْنِهِ يَدُلُّ على أنَّهُ لا بُدَّ مِنْ قِرَاءَةِ الفَاتِحَةِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا (16) .
(1) "حاشية الدسوقي": 1/ 236، و"مغني المحتاج": 1/ 156، و"شرح روض الطالب": 1/ 149.
(2) أخرجه البخاري (فتح الباري 2/ 237) ، ومسلم (1/ 295) من حديث عبادة بن الصامت.
(3) قال في"خلاصة الأحكام":"صَحِيح، رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة، وَأَبُو حَاتِم ابْن حبَان فِي"صَحِيحَيْهِمَا"بِإِسْنَاد صَحِيح."
(4) كما هو معروف في أصول الفقه وقواعد التَّشْرِيعِ الإِسْلامِيِّ.
(5) قال في"نصب الراية":"قَالَ الدَّارَقُطنِيّ: هَذَا حَدِيث مُنْكَرٌ، وَسَهْلُ بْنِ الْعَبَّاس مَتْرُوكٌ، لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَقَالَ الطَّبَرَانِيّ: لَمْ يَرْفَعْهُ أَحَدٌ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ إلَّا سَهْلَ بْنَ الْعَبَّاس، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ مَوْقُوفًا"انْتَهَى. وقال في"مسند أحمد ط الرسالة":"قال البيهقي في"معرفة