عَنْهُ، عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"أُمِرَ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ أَنْ يُضْرَبَ فِي قَبْرِهِ مِائَةَ جَلْدَةٍ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُ وَيَدْعُو حَتَّى صَارَتْ جَلْدَةً وَاحِدَةً، فَجُلِدَ جَلْدَةً وَاحِدَةً، فَامْتَلَأَ قَبْرُهُ عَلَيْهِ نَارًا، فَلَمَّا ارْتَفَعَ عَنْهُ قَالَ: عَلَامَ جَلَدْتُمُونِي؟! قَالُوا: إِنَّكَ صَلَّيْتَ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَمَرَرْتَ عَلَى مَظْلُومٍ فَلَمْ تَنْصُرْهُ" (3) .
فهذه الأحاديث أثْبَتَتْ عَذَابَ القَبْرِ للكَافِرِ والعَاصِي. قال فِي"إرشاد الساري": (قَالَ فِي"مصابيح الجامع": وَقَدْ كَثُرَتْ الأحَادِيثُ فِي عَذَابِ القَبْرِ، حتَّى قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: إنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ لا يَصِحُّ عليها التَّوَاطُؤِ؛ وإنْ لَمْ يَصِّحْ مِثْلُهُا لَمْ يَصِّحْ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ) اهـ (4) . وقال ابن القيم فِي"الرُّوح":"عذاب القبر نوعان: نوع دائم سوى ما ورد في بعض الأحاديث أنَّه يخفف عنهم ما بين النَّفْخَتَيْنِ فإذا قاموا من قبورهم"قَالُوا: يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا"ويدل على دوامه قوله تعالى:"النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا"ويدل عليه أيضًا ما تقدم في حديث سمرة الذي رواه البخاري في رؤيا النبي وفيه"فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.
النوع الثاني: إلى مُدَّةٍ ثم ينقطع وهو عذاب بعض العصاة الذين خفت جرائمهم فيعذب بحسب جرمه ثم يخفف عنه كما يُعَذَّبُ في النَّار مدة ثم يزول عنه العذاب وقد ينقطع عنه العذاب بدعاء أو صدقة أو استغفار أو ثواب حج أو قراءة تصل إليه من بعض أقاربه أو غيرهم وهذا كما يشفع الشَّافِع في المعذب في الدُّنيا فيخلص من العذاب بشفاعته"اهـ (5) ."
قال العلماء:"عذاب القبر هو عذاب البرزخ، أضيف إلى القبر لأنَّه الغالب، وإلا فكل ميت إذا أراد الله تعذيبه نَالَهُ ما أراد به، قُبِرَ أو لم يُقْبَر، ولو صلب، أو غَرِق في البحر، أو أكلته الدَّواب، أو أحرق حتى صار رمادًا، أو ذري في الريح، ومحله الروح والبدن جميعًا، باتفاق أهل السنة، وكذا القول في النعيم؛ كما أفاده السيوطي"اهـ (6) .
ثانيًا: أَنَّهُ يُسْتَحَبّ التَّعَوُّذِ من عذاب القبر فِي آخر كُلِّ صَلاةٍ بعد التَّشَهُّدِ، وقَبْلَ السَّلامِ، لقول عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي حديث الباب:"فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ صَلَّى صَلاَةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ". أمّا الصيغة المأثورة فِي ذلك فهي كما جاء في حديث عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كان النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو:"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ"أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"نَعَمْ، عَذَابُ القَبْرِ".
(1) قال الهيثمي فِي"مجمع الزوائد" (3/ 55) وأبو يعلى موقوفًا:"وفيه دراج، وفيه كلام، وقد وثق" (ع) . وجاء فِي"مسند أحمد ط قرطبة":"وهذا إسناد حسن؛ فإنَّ أَبا السَّمْح - وهو دراج - أحاديثه مستقيمة إلا ما كان عن أبِي الهيثم عن أبِي سَعِيدٍ؛ وهو هنا رواه عن"ابن حجيرة"وهو عبد الرحمن قاضي مِصْرَ أخرج له مسلم وأصحاب السنن ووثقه النَّسَائِيّ وغيره"اهـ.