533 -عن أسمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَتْ:"قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ القَبْرِ الَّتِي يَفْتَتِنُ فِيهَا المَرْءُ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ المُسْلِمُونَ ضَجَّةً".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
533 -الحديث: أخرجه البُخَارِيّ والنَّسَائِيّ.
معنى الحديث: تقول أَسْمَاءُ بِنْتِ أبي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ القَبْرِ"، يعني وقف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومًا يخطب في النَّاسِ ويعظهم ويذكِّرهم الدّار الآخرة، حتى تطرّق إلى القَبْرِ وأحواله، فَذَكَرَ فِتْنَةَ القَبْرِ، والمراد بها: سؤال الملكين مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ للعبد عن ربه ونبيّه ودينه وسُمِّيَ بذلك لأنَّه فتنةٌ عظيمةٌ يختبر بها إيمان العبد ويقينه، فمن وفق في هذا الاختبار فاز، ومن فشل هلك. قالت:"فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ المُسْلِمُونَ ضَجَّةً"أي صاحوا صيحةً عظيمةً هلعًا وخوفًا من فِتْنَةِ القَبْرِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
إثبات سُؤالُ المَلَكَيْنِ للعبد فِي قبره، وقد سمّاه النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"فِتْنَةً"لما ذكرناه في شرح الحديث؛ ودل عليه القرآن الكريم فِي قوله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ) ، أي ويثبتهم عند سؤال الملكين، ويوفقهم إلى الجواب الصَّحيح ويكون السؤال لكل ميت: مسلمًا كان أو كافرًا، طائعًا أو عاصيًا. قال ابن القيم:"وفِي الكتاب والسنة دليل على أن السؤال للكافر والمسلم قال الله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) "اهـ (1) . قلت: وَيَدُلُّ على ذلك أحاديث كثيرة منها ما روي عن جَابرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًَا:"إِذَا دَخَلَ الْمُؤْمِنُ قَبْرَهُ فَأَتَاهُ مَلَكَانِ فَانْتَهَرَاهُ فَيَقُومُ يَهُبُّ كَمَا يَهُبُّ النَّائِمُ فَيَسْأَلانِهِ: مَنْ رَبُّكَ وَمَا دِينُكَ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ رَبِّي وَالإِسْلامُ دِينِي وَمُحَمَّدٌ نَبِيِّي. فَيَقُولانِ لَهُ: صَدَقْتَ؛ كَذَلِكَ كُنْتَ. فَيُقَالُ أَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُ: دَعُونِي حَتَّى آتِيَ أَهْلِي. فَيَقُولانِ لَهُ: اسْكُنْ" (2) . وفي رواية عن البراء بن عازب قَالَ: «وَإِنَّ الْكَافِرَ» . فَذَكَرَ مَوْتَهُ قَالَ: «وَتُعَادُ رُوحُهُ فِى جَسَدِهِ وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولاَنِ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ هَاهْ لاَ أَدْرِى. فَيَقُولاَنِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لاَ أَدْرِى. فَيَقُولاَنِ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِى بُعِثَ فِيكُم؟ ْ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لاَ أَدْرِى. فَيُنَادِى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: «أَنْ كَذَبَ فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ» . قَالَ: «فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا» . قَالَ: «وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلاَعُهُ» (3) .
قال القَسْطَلانِيّ: (وهل يسأل الطفل، الذي لا يُمَيِّز؟ جزم الْقُرْطُبِيّ فِي"تذكرته": أنَّهُ يُسْأَلُ، وهو منقول عن الحنفية، وَجَزَمَ غَيْرُ واحِدٍ من الشَّافِعِيَّةِ بأنَّهُ لا يُسْأَلُ. ومِنْ ثَمَّ قَالُوا: لا يُسْتَحَبُّ أنْ يُلقَّنْ". وقد صَحَّ أنَّ المُرَابِطَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يُفْتَتَنْ، كما فِي حديث مسلم وغيره، كشهيد المعركة، والصَّابِرِ فِي الطَّاعُونِ الذي لا يخرج من البلد الذي يقع فيه قاصدًا بإقامته ثواب الله، راجيًا صدق موعوده، عارفًا أنَّه إنْ وقع له فهو بِتَقْدِيرِ اللهِ تَعَالَى،"