الثَّانِي: أَنَّ الزَّانِي والشَّارِبَ والسَّارِقَ لا يَكُونُ كَامِلَ الإِيمَانِ، وإِنَّمَا يكون مُؤمِنًَا فَاسِقًَا، نَاقِصَ الإِيمَانِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: أَنَّ الزِّنَا والسَّرِقَةَ وشُرْبَ الخَمْرِ من أَكْبَرِ الكَبَائِرِ، لأنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَى الإِيمَانَ عَمَّنْ فعل ذلك، فَدَلَّ على أنَّهَا من أَعْظَمِ المُوبِقَاتِ فِي الإِسْلامِ. قال الحافظ فِي"الفتح":"وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْحَدِيثَ يَتَضَمَّنُ التَّحَرُّزَ مِنْ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ أُصُولِ الْمَفَاسِدِ وَأَضْدَادُهَا مِنْ أُصُولِ الْمَصَالِحِ وَهِيَ: اسْتِبَاحَةُ الْفُرُوجِ الْمُحَرَّمَةِ. وَمَا يُؤَدِّي إِلَى اخْتِلَالِ الْعَقْلِ وَخُصَّ الْخَمْرُ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهَا أَغْلَبَ الْوُجُوهِ فِي ذَلِكَ. وَالسَّرِقَةُ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهَا أَغْلَبَ الْوُجُوهِ الَّتِي يُؤْخَذُ بِهَا مَالُ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ"اهـ (2) .
وقال ابن القيم:"وَالْجِمَاعُ الضَّارُّ نَوْعَانِ: ضَارٌّ شَرْعًا، وَضَارٌّ طَبْعًا. فَالضَّارُّ شَرْعًا: الْمُحَرَّمُ، وَهُوَ مَرَاتِبُ بَعْضُهَا أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ. وَالتَّحْرِيمُ الْعَارِضُ مِنْهُ أَخَفُّ مِنَ اللَّازِمِ، كَتَحْرِيمِ الْإِحْرَامِ، وَالصِّيَامِ، وَالِاعْتِكَافِ، وَتَحْرِيمِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ، وَتَحْرِيمِ وَطْءِ الْحَائِضِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَا حَدَّ فِي هَذَا الْجِمَاعِ. وَأَمَّا اللَّازِمُ: فَنَوْعَانِ: نَوْعٌ لَا سَبِيلَ إِلَى حِلِّهِ الْبَتَّةَ، كَذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، فَهَذَا مِنْ أَضَرِّ الْجِمَاعِ، وَهُوَ يُوجِبُ الْقَتْلَ حَدًّا عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَغَيْرِهِ، وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ ثَابِتٌ: (ومَنْ وَقَعَ على ذَاتِ مَحْرَمٍ فاقْتُلُوهُ) - وسبق تضعيفه -. وَالثَّانِي: مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا، كَالْأَجْنَبِيَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ، فَفِي وَطْئِهَا حَقَّانِ. حَقٌّ لِلَّهِ، وَحَقٌّ لِلزَّوْجِ. فَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ، وَإِنْ كَانَ لَهَا أَهْلٌ وَأَقَارِبُ يَلْحَقُهُمُ الْعَارُ بِذَلِكَ صَارَ فِيهِ أَرْبَعَةُ حُقُوقٍ، فَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ مَحْرَمٍ مِنْهُ، صَارَ فِيهِ خَمْسَةُ حُقُوقٍ. فَمَضَرَّةُ هَذَا النَّوْعِ بِحَسَبِ دَرَجَاتِهِ فِي التَّحْرِيمِ"اهـ (3) .
ثانيًا: تَحْرِيمُ الخَمْرِ وسَائِرِ المَشْرُوبَاتِ المُسْكِرَةِ، لأنَّ أقل ما يقتضيه نفي الإِيمان عن شاربها أنَّه فاسِقٌ عاص شارب للحرام، هذا بالإضافة إلى الوعيد الشَّديد الذي جاء في الأحاديث الأخرى.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَلاَ يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ".
(1) قال فِي"المحكم والمحيط الأعظم": تعليقا على قوله تعالى:"يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا" (البقرة: 219) :"قالَ ثَعْلَبٌ: كانُوا إِذا قامَرُوا فَقَمَرُوا أَطْعَمُوا"