قَالَ: وَقَالَ الشَّافِعِي: سهم ذِي الْقُرْبَى للغَنِيّ مِنْهُم وَالْفَقِير، وَلم يزْعم ذَلِك في الْأَصْنَاف الْبَاقِيَة من الْيَتَامَى وَابْن السَّبِيل، فَزعم أَبُو عبد الله أَن الْقُرْآن على ظَاهره حكم لقربى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لغنيهم وفقيرهم بِخمْس الْخمس وَقَالَ: هو لَهُم بِظَاهِر الْآيَة، ثمَّ قَالَ: لَيْسَ لِلْيَتَامَى وَلَا لِابْنِ السَّبِيل فِيهَا حق إِلَّا أَن يَكُونُوا فُقَرَاء مَسَاكِين، فنقض أَصله وَترك مذْهبه.
قَالَ أَبُو بكر:
وَهَذَا غير لَازم للشَّافِعِيّ، لِأَن الشَّافِعِي حكم لذِي الْقُرْبَى لغنيهم وفقيرهم بِظَاهِر الْآيَة، وَبِأَن الْعَبَّاس بن عبد الطّلب أعْطى مِنْهُ وَهُوَ كثير المَال، وَمنع عُثْمَان وَجبير حَيْثُ طلبا أَن يعطيا من الْخمس، لَيْسَ من جِهَة غناهما، إِذْ لَو كَانَ منعهما من جِهَة غناهما لأشبه أَن يَقُول: لَا يحل لَكمَا ذَلِك لأنكما غنيان، إِذْ لاحظ فِيهَا لغني، كَمَا قَالَ للرجلين اللَّذين سألاه الصَّدَقَة، وَلَو اخْتلف أهل الْعلم فِي الْيَتِيم الْغَنِيّ، وَابْن السَّبِيل الْغَنِيّ لأجاب فِيمَا يعْطى كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَا أجَاب بِهِ فِي سهم ذِي الْقُرْبَى، وَلَكِن الْإِجْمَاع لما منع من إعطاء الْيَتِيم الْغَنِيّ، وَابْن السَّبِيل الْغَنِيّ منع أَن يعطيان لمنع الْإِجْمَاع مِنْهُ، وَلم يمْنَع الْإِجْمَاع من إعطاء أَغْنِيَاء الْقَرَابَة، فَمَنعهُمْ لعِلَّة الْإِجْمَاع، وَلكنه لما اخْتلف فِي الْغَنِيّ من الْقَرَابَة، رد أمره إِلَى ظَاهر الْكتاب، وَمنع الْيَتِيم الْغَنِيّ وَابْن السَّبِيل الْغَنِيّ لِأَن الْإِجْمَاع منع أَن يعطيا إِذا كَانَا غَنِيَّيْنِ.