النسخ في اللغة شيئان، أحدهما: بمعنى التحويل والنقل ومنه نسخ الكتاب وهو أن يحوّل من كتاب إلى كتاب فعلى هذا الوجه كل القرآن منسوخ؛ لأنه نسخ من اللوح المحفوظ، والثاني: بمعنى الرفع يقال: نسخت الشمس الظل أي: ذهبت به وأبطلته فعلى هذا يكون بعض القرآن ناسخًا وبعضه منسوخًا وهو المراد من الآية وهذا على وجوه:
أحدها: أن تثبت التلاوة وينسخ الحكم كآية الوصية للأقارب وآية عدّة الوفاة بالحول،
والثاني: أن ترفع التلاوة ويبقى الحكم كآية الرحم
والثالث: أن يرفع الحكم والتلاوة كما روي: أنَّ قومًا من الصحابة قاموا ليلة ليقرؤوا سورة فلم يذكروا منها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فغدوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال صلى الله عليه وسلم «تلك سورة رفعت بتلاوتها وأحكامها»
وقيل: كانت سورة الأحزاب مثل سورة البقرة فرفع أكثرها تلاوة وحكمًا ثم من نسخ الحكم ما يرفع ويقام غيره مقامه كما أنَّ القِبلة نسخت من بيت المقدس إلى الكعبة، والوصية للأقارب نسخت بالميراث، وعدّة الوفاة نسخت من الحول إلى أربعة أشهر وعشر ومصابرة الواحد للعشرة بمصابرته للاثنين.
قال البغويّ: والنسخ إنما يعترض على الأوامر والنواهي دون الأخبار اهـ.
والنسخ اصطلاحًا رفع تعلق حكم شرعيّ بدليل شرعيّ ويفارق التخصيص بأنَّ التخصيص لا يرد إلا على متعدّد وبأنه غير مشروط بالنص بخلاف النسخ فيهما وبأنه يفيد عدم إرادة المخرج في الأصل والنسخ يفيد إرادة المنسوخ في الأصل لكن غير مستمرّ.
وقرأ ابن عامر: ننسخ بضمّ النون الأولى وكسر السين من أنسخ أي: نأمرك أو جبريل بنسخها والباقون بفتح النون والسين وما شرطية جازمة لننسخ منتصبة به على المفعولية {أَوْ نُنسِهَا} أي: نؤخرها فلا نزل حكمها ولا نرفع تلاوتها أو نؤخرها في اللوح المحفوظ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح النون الأولى وفتح السين وهمزة ساكنة بعد السين ولم يبدل هذه الهمزة أحد من السبعة وقرأ الباقون بضم النون وكسر السين ولا همزة بعد السين أي: ننسها أي: نمحها من قلبك، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه نتركها لا ننسخها قال الله تعالى: {نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} (التوبة، 67) أي: تركوه فتركهم وجواب الشرط {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} أي: بما هو أنفع لكم وأسهل عليكم وأكثر لأجركم وإن كان كلام الله كله خيرًا {أَوْ مِثْلِهَا} في التكليف والثواب والمنفعة وتكون الحكمة في تبديلها بمثلها الاختبار {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فيقدر على النسخ والإتيان بمثل المنسوخ وبما هو خير والآية دلت على جواز النسخ وتأخير الإنزال؛ إذ الأصل اختصاص أن وما يتضمنها بالأمور المحتملة وذلك؛ لأنّ الأحكام شرعت والآيات نزلت لمصالح العباد وتكميل نفوسهم فضلًا من الله ورحمة وذلك يختلف باختلاف الأعصار والأشخاص كأسباب المعاش، فإن النافع في عصر قد يضرّ في غيره.
واحتج بها من منع النسخ بلا بدل أو ببدل أثقل، ومن منع نسخ الكتاب بالسنة فإنّ الناسخ هو المأتي به بدلًا والسنة ليست كذلك، قال البيضاويّ: والكل ضعيف إذ قد يكون عدم الحكم والأثقل أصلح والنسخ قد يعرف بغيره والسنة ما أتى به الله، واستدل بهذه الآية المعتزلة على حدوث القرآن فإنّ التغير والتفاوت من لوازم الحدوث، وأجاب أهل السنة بأنهما من عوارض الأمور المتعلق بها المعنى القائم بالذات القديم لا من عوارض هذا المعنى.