أي: أردت {حُبَّ الْخَيْرِ} أي: الخيل {عَن ذِكْرِ رَبِّي} أي: صلاة العصر {حَتَّى تَوَارَتْ} أي: الشمس {بِالْحِجَابِ} أي: استترت بما يحجبها عن الأبصار.
{رُدُّوهَا عَلَيَّ} أي: الخيل المعروضة.
وقيل: الضمير يرجع للشمس، قال الرازي: وهذا بعيد لوجوه.
الأول: أن الصافنات مذكورة بالصريح والشمس غير مذكورة وعود الضمير إلى المذكور أولى من عوده إلى المقدر.
وثانيها: أنه لو اشتغل بالخيل حتى غربت الشمس وفاتته صلاة العصر كان ذلك ذنبًا عظيمًا ومن كان هذا حاله فطريقه التضرع والبكاء والمبالغة في إظهار التوبة، فأما أن يقول على سبيل العظمة لرب العالمين مثل هذه الكلمة العارية عن كل جهات الأدب عقب ذلك الجرم العظيم الذي لا يصدر عن أبعد الناس عن الخير فكيف يجوز إسناده للرسول عليه السلام المطهر المكرم.
ثالثها: أن الشمس لو رجعت بعد الغروب لصار ذلك مشاهدًا لكل أهل الدنيا ولو كان كذلك لتوفرت الدواعي على نقله وحيث لم ينقل علمنا فساده، انتهى.
قال أكثر المفسرين: فلما ردوا الخيل إليه أقبل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف أخذًا من قوله تعالى {فَطَفِقَ مَسْحًا} أي: فأخذ يمسح السيف مسحًا {بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ} أي: سوقها وأعناقها يقطعها من قولهم: مسح علاوته إذا ضرب عنقه، قالوا: فعل ذلك تقربًا إلى الله تعالى وطلبًا لمرضاته حيث اشتغل عن طاعته وكان ذلك مباحًا له وإن كان حرامًا علينا كما أبيح لنا ذبح بهيمة الأنعام وبقي منها مائة فرس فما بقي في أيدي الناس اليوم من الخيل من نسل تلك المائة.
قال الحسن: فلما عقر الخيل أبدله الله تعالى خيرًا منها وأسرع وهي الريح تجري بأمره كيف شاء، قال الرازي: وهذا عندي بعيد لوجوه.
الأول: أنه لو كان مسح السوق والأعناق قطعها لكان معنى فامسحوا برؤوسكم أي: اقطعوها وهذا لا يقوله عاقل بل لو قيل: مسح رأسه بالسيف فربما فهم منه ضرب العنق أما إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم منه ألبتة من المسح العقر والذبح.
الثاني: أن القائلين بهذا القول أجمعوا على أن لسليمان عليه السلام أنواعًا من الأفعال المذمومة فأولها: ترك الصلاة.
وثانيها: أنه استولى عليه الاشتغال بحب الدنيا حتى نسي الصلاة وقال صلى الله عليه وسلم «حب الدنيا رأس كل خطيئة»
وثالثها: أنه بعد الإتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغل بالتوبة
والإنابة ألبتة.
ورابعها: أنه خاطب رب العالمين بقوله: ردوها علي وهذه كلمة لا يقولها الرجل الحصيف إلا مع الخادم الخسيس. وخامسها: أنه اتبع هذه المعاصي بعقر الخيل في سوقها وأعناقها، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان إلا لأكله، وهذه أنواع من الكبائر ينسبونها إلى سليمان عليه السلام مع أن لفظ القرآن لم يدل على شيء منها، وخلاصتها: أن هذه القصص إنما ذكرها الله تعالى عقب قوله: {وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} وأن الكفار لما بالغوا في السفاهة إلى هذا الحد قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم {اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود} ثم ذكر عقبه قصة سليمان عليه السلام فقال تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ} الآية والتقدير: أنه تعالى قال لمحمد صلى الله عليه وسلم يا محمد اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا سليمان، وهذا الكلام إنما يليق إذا قلنا: إن سليمان عليه السلام أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة وصبر على طاعة الله تعالى وأعرض عن الشهوات واللذات، فلو كان المقصود من قصة سليمان عليه السلام في هذا الموضع أنه أقدم على الكبائر العظيمة والذنوب لم يكن ذكر هذه القصة لائقًا.
قال: والصواب: أن تقول إن رباط الخيل كان مندوبًا إليه في دينهم كما هو في دين محمد صلى الله عليه وسلم ثم إن سليمان عليه السلام احتاج إلى الغزو فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها وذكر أني لا أجريها لأجل الدنيا ونصيب النفس وإنما أجريها لأمر الله تعالى وطلب تقوية دينه وهو المراد من قوله: {عَن ذِكْرِ رَبِّي} ثم إنه عليه السلام أمر بإجرائها وسيرها حتى توارت بالحجاب أي: غابت عن بصره ثم إنه أمر الرابضين أن يردوها فردوا تلك الخيل إليه، فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها والغرض من ذلك أمور:
الأول: تشريفًا لها وإبانة لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو.
الثاني: أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك يتضع إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه.
الثالث: أنه كان أعلم بأحوال الخيل ومراميها وعيوبها فكان يمسها ويمسح لها سوقها وأعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض، فهذا التفسير هو الذي ينطبق عليه لفظ القرآن ولا يلزم منه نسبة شيء من المنكرات إلى سليمان عليه السلام والعجب منهم كيف قبلوا هذه الوجوه السخيفة مع أن العقل والنقل يردها وليس لهم في إثباتها شبهة فضلًا عن حجة.
قال: «فَإِنْ قِيلَ» : فالجمهور فسروا الآية بتلك الوجوه فالجواب أن نقول: لفظ الآية لا تدل على شيء من تلك الوجوه التي يذكرونها لما ذكرنا وأيضًا فإن الدلائل الكثيرة قامت على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولم يدل على صحة هذه الحكايات دليل قطعي ورواية الآحاد لا تصلح معارضة للدلائل القوية فكيف الحكايات من أقوام لا يلتفت إلى أقوالهم والذي ذهبنا إليه قول الزهري وابن كيسان ا. ه، وقد يجاب من جهة الجمهور أن ما نسبه إليهم ممنوع.
وبيان ذلك أن قوله: إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم منه ألبتة من المسح العقر والذبح يقال: القرينة كافية في ذلك وقوله أنهم جمعوا أنواعًا مذمومة أولها: ترك الصلاة إنما يكون ذلك مذمومًا إذا تركها متعمدًا ولم يكن ذلك بل نسيها وقد نام صلى الله عليه وسلم في الوادي حتى طلعت الشمس وقضى الصبح والنسيان والنوم لا مؤاخذة فيهما، وقوله: ثانيها: أنه استولى عليه الاشتغال بحب الدنيا إنما اشتغل بذلك لأمر الجهاد وهو مطلوب في حقه، وقوله: ثالثها: أنه لم يشتغل بالتوبة يقال: إنه لم يأت
بذنب، وقوله: رابعها: أنه خاطب رب العالمين بقوله: (ردوها) علي ممنوع والمخاطب إنما هو جماعته، وقوله: خامسها إلى أن قال: وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن عقر الحيوان قد مر عنهم أن ذلك كان مباحًا له فليس فيما قالوه نسبة سليمان عليه الصلاة والسلام إلى معصية فلو قال: الأولى أن يقال: كذا كان أولى.