قال في الكشاف: ثاني مفعولي أرني محذوف أي: أرني نفسك أنظر إليك.
«فَإِنْ قِيلَ» : الرؤية عين النظر فكيف قيل: أرني أنظر إليك؟
أجيب: بأنَّ معنى أرني نفسك اجعلني متمكنًا من رؤيتك بأن تتجلى لي فأنظر إليك وأراك وفي هذا دليل على أنَّ رؤيته تعالى جائزة في الجملة لأنّ طلب المستحيل من الأنبياء محال خصوصًا ما يقتضي الجهل بالله تعالى ولذلك ردّه بأن {قَالَ} له {لَن تَرَانِي} دون لن أرى ولن أريك ولن تنظر إليّ تنبيهًا على أنه قاصر عن رؤيته لتوقفها على بعد في الرائي لم يوجد فيه بعد وجعل السؤال لتبكيت قومه الذين: قالوا: {أَرِنَا اللَّهِ جَهْرَةً} (النساء: 153)
كما قاله الزمخشري أشدّ خطأ إذ لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب أن يجهلم ويزيل شبهتهم كما فعل بهم حين قالوا: اجعل لنا إلهًا والاستدلال بالجواب وهو قوله تعالى: {لَن تَرَانِي} على استحالتها أشدّ خطأ إذ لا يدل الإخبار عن عدم رؤيته إياه على أنه لا يراه أبدًا وأن لا يراه غيره أصلًا فضلًا عن أن يدل على استحالته فإنّ أهل البدع والخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة قالوا: لن تكون لتأبيد النفي وهو خطأ لأنها لو كانت للتأبيد لزم التناقض بذكر اليوم في قوله تعالى: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا} (مريم: 26)
ولزم التكرار بذكر أبدًا في قوله تعالى: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} (البقرة: 95)
ولن تجتمع مع ما هو لانتهاء الغاية نحو قوله تعالى: {فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي} (يوسف: 80)
وأمّا تأبيد النفي في قوله تعالى: {لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا} (الحج: 73)
فلأمر خارجيّ لا من مقتضيات (لن) ولا تقتضي تأكيد النفي أيضًا خلافًا للزمخشريّ في كشافه بل قولك: لن أقوم، محتمل لأن تريد به أنك لا تقوم أبدًا، وأنك لا تقوم في بعض الأزمنة المستقبلة وهو موافق لقولك: لا أقوم، في عدم إفادة التأكيد وقوله تعالى: {وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} استدراك يريد أن يبين به أنه لا يطيق الرؤية، وفي تعليق الرؤية بالاستقرار أيضًا دليل على جوازها لأنّ استقرار الجبل عند التجلي ممكن بأن يجعل الله تعالى له قوّة على ذلك، والمعلق على الممكن ممكن.