فهرس الكتاب

الصفحة 618 من 1929

{فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ(74)إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ(75)}

{فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ} ، أي: الخوف وهو ما أوجس من الخيفة حين أنكر أضيافه واطمأن قلبه بعرفانهم {وَجَآءَتْهُ الْبُشْرَى} بدل الروع بالولد أخذ {يُجَادِلُنَا} ، أي: يجادل رسلنا {في} شأن {قَوْمِ لُوطٍ} وجواب «لما» أخذ يجادلنا إلا أنه حذف اللفظ لدلالة الكلام عليه.

وقيل: تقديره لما ذهب عن إبراهيم الروع جادلنا.

«فَإِنْ قِيلَ» : كيف جادل إبراهيم الملائكة مع علمه بأنهم لا يمكنهم مخالفة أمر الله وهذا منكر؟

أجيب: بأنَّ المراد من هذه المجادلة تأخير العذاب عنهم لعلهم يؤمنون ويرجعون عما هم فيه من الكفر والمعاصي، لأنّ الملائكة قالوا: {إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ} (العنكبوت: 31) أو أنَّ مجادلته إنما كانت في قوم لوط بسبب مقام لوط فيهم، ولهذا قال إبراهيم عليه السلام: أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلًا من المؤمنين أتهلكونها؟

قالوا: لا قال: أو أربعون؟

قالوا: لا. قال: فثلاثون. قالوا: لا. قال: فعشرون؟

قالوا: لا حتى بلغ خمسة قالوا: لا. قال: أرأيتم لو كان فيها رجل مسلم أتهلكونها؟

قالوا: لا. فعند ذلك قال: إنّ فيها لوطًا. وقد ذكر الله تعالى هذا في سورة العنكبوت، فقال: {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} (العنكبوت: 31: 32) قال ابن جريج: وكان في قرى لوط أربعة آلاف ألف، ولو كانت هذه المجادلة مذمومة لما مدحه بقوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ} ، أي: لا يتعجل مكافأة غيره بل يتأنى فيها فيؤخر أو يعفو. ومن هذا حاله يحب من غيره هذه الطريقة، وهذا مدح عظيم من الله تعالى لإبراهيم، ثم ضم إلى ذلك ما يتعلق بالحلم وهو قوله تعالى: {أَوَّاهٌ} ، أي: كثير التأوّه من الذنوب والتأسف على الناس.

{مُّنِيبٌ} ، أي: رجاع.

فلما أطال مجادلتهم قالوا له: {ياإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَآ} ، أي: الجدال وإن كانت الرحمة ديدنك فلا فائدة فيه: {إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ} ، أي: قضاؤه الأزلي بعذابهم وهو أعلم بحالهم {وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} ، أي: لا سبيل إلى دفعه وردّه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت