فهرس الكتاب

الصفحة 598 من 1929

{حَتَّى إِذَآ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ}

«فَإِنْ قِيلَ» : إنه آمن ثلاث مرات أولها قوله: (آمنت) . وثانيها: قوله (لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل) . وثالثها: قوله (وأنا من المسلمين) فما السبب في عدم القبول؟

أجاب: العلماء عن ذلك بأجوبة:

منها: أنه إنما آمن عند نزول العذاب، والإيمان والتوبة عند معاينة الملائكة والعذاب غير مقبول، ويدلّ عليه قوله تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} (غافر: 85)

ودس جبريل في فيه من حما البحر مخافة أن تناله الرحمة وقال له {الآنَ} تؤمن {وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ} وضيعت التوبة في وقتها وآثرت دنياك الفانية على الآخرة الباقية {وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} بضلالك وإضلالك عن الإيمان والتوبة حتى أغلق بابها بحضور الموت ومعاينة الملائكة، وإنما قال له: (وكنت من المفسدين) في مقابلة قوله (وأنا من المسلمين) .

ومنها أنَّ فرعون إنما قال هذه الكلمة ليتوصل بها إلى دفع ما نزل به من البلية الحاضرة، ولم يكن قصده الإقرار بوحدانية الله تعالى والاعتراف له بالربوبية، فلم ينفعه ما قال في ذلك الوقت.

ومنها: أنَّ فرعون كان من الدهرية المنكرين لوجود الصانع الخالق سبحانه وتعالى ولذلك قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل، فلم ينفعه ذلك لحصول الشك في إيمانه، ومثل هذا الاعتقاد الفاسد لا تزول ظلمته إلا بنور الحجة القطعية والدلائل اليقينية.

ومنها: ما روي في بعض الكتب أنَّ بعض أقوام بني اسرائيل لما جاوزوا البحر اشتغلوا بعبادة العجل فلما قال فرعون: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل انصرف ذلك إلى العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت فكانت هذه الكلمة في حقه سببًا لزيادة الكفر، ومنها: أنَّ الإيمان إنما كان يتم بالإقرار بوحدانية الله تعالى وبالإقرار بنبوّة موسى عليه السلام، وفرعون لم يقرّ بالنبوّة فلم يصح إيمانه، ونظيره أن الواحد من الكفار لو قال ألف مرّة أشهد أن لا إله إلا الله فإنه لا يصح إيمانه إلا إذا قال معه: وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله فكذا هنا.

ومنها: أنَّ جبريل عليه السلام أتى فرعون بفتوى، ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادّعى السيادة دونه؟

فكتب فرعون فيه يقول: أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج عن سيده الكافر بنعمته أن يغرّق في البحر، ثم إنَّ فرعون لما غرق رفع جبريل عليه السلام إليه خطه.

«فَإِنْ قِيلَ» : فما فائدة دس جبريل في فم فرعون ذلك؛ لأنه في تلك الحالة إمّا أن يكون التكليف ثابتًا أم لا؟

فإنّ كان فكيف يمنعه من التوبة، وإن كان غير مكلف فلا فائدة في ذلك؟

أجيب: بأنَّ التكليف كان ثابتًا وجبريل عليه السلام لم يفعل ذلك من قبل نفسه فإنه عبد مأمور، والله تعالى يفعل ما يشاء كما قال تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} (فاطر: 8) . وقال تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} (الأنعام: 110) وهكذا فعل بفرعون، منعه من الإيمان عند الموت جزاء على تركه الإيمان أوّلًا، فدس الحما في فم فرعون من جنس الختم والطبع على القلب، ومن الناس من قال: قائل هذا القول هو الله تعالى؛ لأنه ذكر بعده.

{فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ} أي: نخرجك من البحر {بِبَدَنِكَ} أي: جسمك الذي لا روح فيه كاملًا سويًا لم يتغير، أو نخرجك من البحر عريانًا من غير لباس، أو أنَّ المراد بالبدن الدرع. قال الليث: البدن هو الدرع الذي يكون قصير الكمين، وهذا منقول عن ابن عباس قال: كان عليه درع من ذهب يعرف، به فأخرجه الله تعالى من الماء مع ذلك الدرع ليعرف {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ} أي: بعدك {آيَةٍ} أي: عبرة فيعرفوا عبوديتك ولا يقدموا على مثل فعلك. وعن ابن عباس: أنَّ بعض بني اسرائيل شكوا في موته، فأخرج لهم ليروه ويشاهده الخلق على ذلك الذلّ والمهانة بعدما سمعوا منه قوله: {أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى} ليعلموا أنَّ دعواه كانت باطلة، وأن ما كان فيه من عظم الشأن وكبرياء الملك آل أمره إلى ما يرون لعصيانه ربه {وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} أي: لا يعتبرون بها، وهذا الكلام ليس إلا كلام الله تعالى، ولكن القول الأوّل أشهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت