فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 1929

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ}

والفساد خروج الشيء عن الاعتدال، والصلاح ضدّه، والفساد يعمّ كل ضارّ، والصلاح يعمّ كل نافع، وكان من إفسادهم في الأرض إثارة الحروب والفتن بمخادعة المسلمين، ومعاونة الكفار المتمحض كفرهم على المسلمين فإن ما ذكر يؤدّي إلى فساد ما في الأرض من الناس والدواب والحرث، ومنه إظهار المعاصي والإهانة بالدين فإنّ الإخلال بالشرائع والإعراض عنها وما يوجب القتل والاختلاط ويخل بنظام العالم لا أن ذلك إفساد لأن الإفساد جعل الشيء فاسدًا وصنيعهم لم يكن كذلك، فقوله تعالى: {لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ} مجاز باعتبار المآل أي: لا تفعلوا ما يؤدّي إلى الفساد وليس معنى الإفساد هنا الإتيان بالفساد ليصح حمل الكلام على الحقيقة، نبه على ذلك السعد التفتازاني {قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} جواب لـ (إذا) ورد للناصح على سبيل المبالغة والمعنى أنه لا يصح مخاطبتنا بذلك فإن شأننا ليس إلا الإصلاح وإن حالتنا متمحضة عن شوائب الفساد لأن إنما تفيد قصر ما دخله على ما بعده مثل إنما زيد منطلق وإنما ينطلق زيد، وإنما قالوا ذلك لأنهم تصوّروا الفساد بصورة الصلاح لما في قلوبهم من المرض كما قال تعالى: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءَ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} .

قال الله تعالى يردّ عليهم أبلغ ردّ: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} أي: بما ذكر {وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} أي: لا يفطنون بمعنى لا يعلمون أنهم هم المفسدون بذلك أي: لأنهم يظنون أن الذي هم عليه من إبطان الكفر صلاح، وقيل: لا يعلمون ما أعدّ الله لهم من العذاب ووجه الأبلغية في ذلك تصديره بـ ألا المنبهة على تحقيق ما بعدها فإن همزة الاستفهام التي للإنكار إذا دخلت على النفي أفادت تحقيقًا وبـ إنَّ المقرّرة للنسبة وتعريف الخبر وتوسط ضمير الفصل والاستدراك بـ لا يشعرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت