قوله تعالى: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى}
أي: ليس في قدرتك إسماع الذين لا حياة لهم فلا نظر ولا سمع، أو موتى القلوب إسماعًا ينفعهم لأنه مما اختص به الله تعالى، وهؤلاء مثل
الأموات؛ لأنّ الله تعالى قد ختم على مشاعرهم {وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ} أي: الذين لا سماع لهم {الدُّعَآءِ} إذا دعوتهم.
ولما كان الأصم قد يحس بدعائك إذا كان مقبلًا بحاسة بصره قال تعالى {إِذَا وَلَّوْاْ} وذكر الفعل ولم يقل ولت إشارة إلى قوّة التولي لئلا يظنّ أنه أطلق على المجانبة مثلًا ولهذا قال تعالى {مُّدْبِرِينَ} .
(تنبيه)
قد جعل الله تعالى الكافر بهذه الصفات وهو أنه شبهه أولًا بالميت، وإرشاد الميت محال والمحال أبعد من الممكن، ثم بالأصم وإرشاد الأصم صعب فإنه لا يسمع الكلام وإنما يفهم بالإشارة والإفهام بالإشارة صعب، ثم بالأعمى وإرشاد الأعمى أيضًا صعب فإنك إذا قلت له مثلًا: الطريق عن يمينك فإنه يدور إلى يمينه لكنه لا يبقى عليه بل يتحير عن قريب، فإرشاد الأصم أصعب. ولهذا تكون المعاشرة مع الأعمى أسهل من المعاشرة مع الأصم الذي لا يسمع لأنّ غايته الإفهام وليس كل ما يفهم بالكلام يفهم بالإشارة فإنّ المعدوم والغائب لا إشارة إليه، فبدأ أولًا بالميت لأنه أعلى ثم بالأدون منه وهو الأصم، وقيده بقوله تعالى: {إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ} ليكون أدخل في الامتناع لأنّ الأصم، وإن كان يفهم فإنما يفهم بالإشارة فإذا ولى لا يكون نظره إلى المشير، فامتنع إفهامه بالإشارة أيضًا ثم بأدنى منه وهو الأعمى لما مرّ.