فهرس الكتاب

الصفحة 629 من 1929

{وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً}

أي: أهل ملة واحدة وهي الإسلام كقوله تعالى {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} وفي هذه الآية دليل على أنَّ الأمر غير الإرادة وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد، وأن ما أراده يجب وقوعه. والمعتزلة يحملون هذه الآية على مشيئة الإلجاء والإجبار، ولهذا قال الزمخشري: يعني لاضطرهم إلى أن يكونوا أهل ملة واحدة {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} ، أي: على أديان شتى ما بين يهودي ونصراني ومجوسي ومشرك ومسلم، فكل أهل دين من هذه الأديان اختلفوا في دينهم أيضًا اختلافًا كثيرًا لا ينضبط. عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تفترق اليهود على إحدى وسبعين فرقة» وفي رواية «ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإنّ هذه الأمّة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة فثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة» .

والمراد بهذه الفرق: أهل البدع والأهواء كالقدرية والمعتزلة والرافضة.

والمراد بالواحدة: هي ملة السنة والجماعة الذين اتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله.

«فَإِنْ قِيلَ» : ما الدليل على أنَّ الاختلاف في الأديان فلم لا يجوز أن يحمل على الاختلاف في الألوان والألسنة والأرزاق والأعمال؟

أجيب: بأنَّ الدليل عليه ما قبل هذه الآية وهو قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} (هود: 118) فيجب حمل الاختلاف على ما يخرجهم من أن يكونوا أمّة واحدة وما بعد هذه الآية وهو قوله تعالى: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} ، أي: أراد لهم الخير فلا يختلفون فيه، فيجب حمل الاختلاف على معنى يصح أن يستثنى منه ذلك، وفي هذه الآية دلالة على أنَّ الهداية والإيمان لا تحصل إلا بتخليق الله تعالى؛ لأنّ تلك الرحمة ليست عبارة عن إعطاء القدرة والعقل وإرسال الرسل وإنزال الكتب وإزاحة العذر، فإنّ كل ذلك حاصل في حق الكفار فلم يبق إلا أن يقال: تلك الرحمة هو أنه سبحانه وتعالى خلق فيهم تلك الهداية والمعرفة {وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ} ، أي: خلق أهل الاختلاف للاختلاف، وخلق أهل الرحمة للرحمة.

روي عن ابن عباس أنه قال: خلق الله أهل الرحمة لئلا يختلفوا، وخلق أهل العذاب لأن يختلفوا، وخلق الجنة وخلق لها أهلًا، وخلق النار وخلق لها أهلًا، والحاصل: أنَّ الله تعالى خلق أهل الباطل وجعلهم مختلفين، وخلق أهل الحق وجعلهم متفقين، فحكم على بعضهم بالاختلاف وهم أهل الباطل ومصيرهم إلى النار، وحكم على بعضهم بالاتفاق وهم أهل الحق ومصيرهم إلى الجنة، ويدل لذلك قوله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} وهي {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ} ، أي: الجنّ {وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} وهذا صريح بأنَّ الله تعالى خلق أقوامًا للجنة والرحمة فهداهم ووفقهم لأعمال أهل الجنة، وخلق أقوامًا للضلالة والنار فخذلهم ومنعهم من الهداية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت