{الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) }
{عَلَّمَ} أي: من شاء {الْقُرْآنُ} وقدم من نعمه الدينية ما هو أعلى مراتبها وأقصى مراقبها وهو إنعامه تعالى بالقرآن العظيم، وتنزيله وتعليمه لأنه أعظم وحي الله تعالى رتبة، وأعلاها منزلة، وأحسنه في أبواب الدين أثرًا؛ وهو سنام الكتب السماوية، ومصداقها والعيار عليها.
(تنبيه)
أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها؛ لأنّ آخر تلك مليك مقتدر، وأوّل هذه أنه رحمن.
قال سعيد بن جبير وعامر والشعبي: الرحمن: فاتحة ثلاث سور إذا جمعن كن اسمًا من أسماء الله تعالى الر، وحم، ون، فيكون مجموع هذه الرحمن.
ولله تبارك وتعالى رحمتان: رحمة سابقة بها خلق الخلق؛ ورحمة لاحقة بها أعطاهم الرزق والمنافع، فهو رحمن باعتبار السابقة، رحيم باعتبار اللاحقة، ولما اختص بالإيجاد لم يقل لغيره رحمن ولما خلق بعض خلقه الصالحين ببعض أخلاقه بحسب الطاقة البشرية فأطعم ونفع جاز أن يقال له: رحيم.
«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَ قدّم تعليم القرآن للإنسان على خلقه وهو متأخر عنه في الوجود؟
أجيب: بأنَّ التعليم هو السبب في إيجاده وخلقه.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف صرح بذكر المفعولين في (علمه البيان) ولم يصرح بهما في (علم القرآن) ؟
أجيب: بأنَّ في ذلك إشارة إلى أن النعمة في التعميم لا في تعليم شخص دون شخص، وبأنَّ المراد من قوله تعالى: {عَلَّمَهُ البَيَانَ} : تعديد النعم على الإنسان واستدعاء الشكر منه؛ ولم يذكر الملائكة لأنّ المقصود ذكر ما يرجع إلى الإنسان.
وقيل: تقديره علم جبريل القرآن، وقيل علم محمدًا صلى الله عليه وسلم، وقيل علم الإنسان. وهذا أولى لعمومه.