أي: المحسن إليك بالنبوّة وغيرها {فَحَدِّثْ} بها فإن التحدّث بها شكرها، وإنما يجوز لغيره صلى الله عليه وسلم مثل هذا إذا قصد به اللطف وأن يقتدي به غيره وأمن على نفسه الفتنة والستر أفضل ولو لم يكن في الذكر إلا التشبه بأهل الرياء والسمعة لكفى.
والمعنى: إنك كنت يتيمًا وضالًا وعائلًا فآواك الله وهداك وأغناك، فمهما يكن من شيء فلا تنس نعمة الله عليك في هذه الثلاث، واقتد بالله فتعطف على اليتيم وآوه فقد ذقت اليتم وهوانه ورأيت كيف فعل الله تعالى بك، وترحم على السائل وتفقده بمعروفك ولا تزجره عن بابك كما رحمك ربك فأغناك بعد الفقر، وحدث بنعمة الله كلها. ويدخل تحت هدايته الضلال وتعليمه الشرائع، والقرآن مقتد بالله تعالى في أن هداه من الضلالة.
وقال مجاهد: تلك النعمة هي القرآن، والتحديث به أن يقرأ ويقرئ غيره. وعنه أيضًا: تلك النعمة هي النبوّة، أي: بلغ ما أنزل إليك من ربك.
وقيل: تلك النعمة هي أن وفقك الله سبحانه وتعالى فراعيت حق اليتيم والسائل فحدّث بها ليقتدي بك غيرك. وعن الحسن بن علي قال: إذا عملت خيرًا فحدّث به إخوانك ليقتدوا بك إلا أن هذا لا يحسن إلا إذا لم يتضمن رياء وظن أنَّ غيره يقتدي به كما علم مما مرّ. وروي «أنّ شخصًا كان جالسًا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم فرآه رث الثياب فقال له صلى الله عليه وسلم ألك مال؟
قال: نعم. فقال له صلى الله عليه وسلم إذا آتاك الله مالًا فلير أثره عليك».
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله جميل يحب الجمال» ويحب أن يرى أثر النعمة على عبده».
«فَإِنْ قِيلَ» : ما الحكمة في أن الله تعالى أخر حق نفسه عن حق اليتيم والسائل؟
أجيب: كأنه يقول: أنا أغنى الأغنياء وهما محتاجان، وحق المحتاج أولى بالتقديم، واختار قوله سبحانه وتعالى: فحدث على قوله تعالى فأخبر ليكون ذلك حديثًا عنه لا ينساه ويعيده مرّة بعد أخرى.