فهرس الكتاب

الصفحة 1681 من 1929

قوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ}

أي: يخف الملك الأعظم فيجعل بينه وبين ما يسخطه وقاية بما يرضيه، وهو اجتلاب ما أمر به واجتناب ما نهي عنه من الطلاق وغيره، ظاهرًا وباطنًا، لأن التقوى إذا انفردت في القرآن عن مقارن عمت الأمر والنهي، وإن اقترنت بغيرها نحو إحسان أو رضوان خصت المناهي {يَجْعَلَ} أي: بسبب التقوى {لَّهُ مَخْرَجًا} جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق بالوعد على اتقائه عما نهى عنه صريحًا أو ضمنًا من الطلاق في الحيض والإضرار بالمعتدة وإخراجها من المسكن، وتعدى حدود الله تعالى. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم «سئل عمن طلق ثلاثًا أو ألفًا هل له من مخرج فتلاها»

وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والثعلبي والضحاك: هذا في الطلاق خاصة، أي: من طلق كما أمره الله تعالى يكن له مخرج في الرجعة في العدة، وأن يكون كأحد الخطاب بعد العدة.

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضًا: يجعل له مخرجًا ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة.

وقيل: المخرج هو أن يقنعه الله بما رزقه، قاله علي بن صالح.

وقال الكلبي: ومن يتق الله بالصبر عند المصيبة يجعل له مخرجًا من النار إلى الجنة، وقال الحسن: مخرجًا مما نهى الله عنه، وقال أبو العالية: مخرجًا من كل شدة، وقال الربيع بن خيثم: مخرجًا من كل شيء ضاق على الناس، وقال الحسين بن الفضل: ومن يتق الله في أداء الفرائض يجعل له مخرجًا من العقوبة.

{وَيَرْزُقْهُ} أي: الثواب {مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} أي: يبارك له فيما آتاه.

وقال سهل بن عبد الله: ومن يتق الله في اتباع السنة يجعل له مخرجًا من عقوبة البدع، ويرزقه الجنة من حيث لا يحتسب، وقال أبو سعيد الخدري: ومن تبرأ من حوله وقوته بالرجوع إلى الله تعالى يجعل له مخرجًا مما كلفه الله بالمعونة له، وتأول ابن مسعود ومسروق الآية على العموم، وهذا هو الذي يقوى عندي.

وقال أبو ذر: «قال النبي صلى الله عليه وسلم إني لأعلم آيه لو أخذ الناس بها لكفتهم، وتلا: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} قال: مخرجًا من شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة» .

وقال أكثر المفسرين: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابنًا له يسمى سالمًا فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتكي إليه الفاقة، وقال: إن العدو أسر ابني وجزعت الأم فما تأمرني؟

فقال صلى الله عليه وسلم «اتقي الله واصبر، وآمرك وإياها أن تكثرا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله فعاد إلى بيته وقال لامرأته: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني وإياك أن نكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فقالت: نعم ما أمرنا به فجعلا يقولان فغفل العدو عن ابنه فساق غنمهم وجاء بها إلى المدينة وهي أربعة آلاف شاة فنزلت الآية، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم تلك الأغنام له»

وروي أنه جاء وقد أصاب إبلًا من العدو، وكان فقيرًا. فقال الكلبي: إنه أصاب خمسين بعيرًا، وفي رواية فأفلت ابنه من الأسر وركب ناقة لقوم فمر بسرح لهم فاستاقه، وقال مقاتل: أصاب غنمًا ومتاعًا، فقال أبوه للنبي صلى الله عليه وسلم أيحل لي أن آكل مما أتى به ابني قال: نعم ونزل {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}

وروى الحسن عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها» .

وقال الزجاج: أي: إذا اتقى وآثر الحلال والصبر على أهله فتح الله عليه إن كان ذا ضيقة، ورزقه من حيث لا يحتسب. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت