فهرس الكتاب

الصفحة 1525 من 1929

{أَمْ يَقُولُونَ}

ما هو أفحش عارًا من التناقض {تَقَوَّلَهُ} أي: تكلف قوله من عند نفسه كذبًا وليس بشعر ولا كهانة ولا جنون وهم على كثرتهم وإلمام بعضهم بالعلم وعراقة آخرين في الشعر والخطب والترسل والسجع يعجزون عن مثله بل عن مثل شيء منه.

(تنبيه)

التقوّل تكلف القول ولا يستعمل إلا في الكذب وهذا أيضًا متصل بقوله تعالى {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ} تقديره أم يقولون شاعر أم يقولون تقوّله والمعنى ليس الأمر كما زعموا {بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ} بالقرآن استكبارًا.

ثم ألزمهم الحجة وأبطل جميع الأقسام.

فقال عز من قائل: {فَلْيَأْتُواْ} أي: على أيّ تقدير أرادوه {بِحَدِيثٍ} أي: كلام مفرق مجدّد إتيانه مع الأزمان {مِّثْلِهِ} أي القرآن في البلاغة وصحة المعاني والإخبار بالمغيبات مما كان أو يكون على ما هي عليه لا نكلفهم أن يأتوا به جملة.

«فَإِنْ قِيلَ» : الصفة تتبع الموصوف في التعريف والتنكير، والموصوف هنا حديث وهو منكر ومثله مضاف إلى القرآن والمضاف إلى القرآن معرّف فكيف هذا؟

أجيب: بأنَّ مثلًا وغيرًا لا يتعرّفان بالإضافة وذلك أن غيرا ومثلًا وأمثالهما في غاية التنكير لأنك إذا قلت: مثل زيد يتناول كل شيء فإنّ كل شيء مثل زيد في شيء فالحمار مثله في الجسم والحجم والإمكان، والنبات مثله في النموّ والنشء والذبول والفناء، والحيوان مثله في الحركة والإدراك وغيرهما من الأوصاف وأمّا غير فهو عند الإضافة ينكر وعند قطع الإضافة ربما يتعرف فإنك إذا قلت: غير زيد صار في غاية الإبهام فإنه يتناول أمورًا لا حصر لها وأما إذا قطعت غير عن الإضافة فربما يكون الغير والمغايرة من باب واحد وكذلك التغير فتجعل الغير كأسماء الأجناس وتجعله مبتدأ أو تريد به معنى معينًا.

وفي هذا تشنيع عليهم سواء ادعوا أنه مجنون أم شاعر أم كاهن أم غير ذلك، لأنّ العادة تحيل أن يأتي واحد من قوم وهو مساو لهم بما لا يقدرون كلهم على مثله، والعاقل لا يجزم بشيء إلا وهو عالم به ويلزم من علمهم بذلك قدرتهم على مثل ما يأتي به، فإنه صلى الله عليه وسلم مثلهم في الفصاحة والبلد والنسب وبعضهم يزيد عليه بالكتابة وقول الشعر ومخالطة العلماء ومزاولة الخطب والرسائل وغير ذلك فلا يقدر على ما يعجزون عنه إلا بتأييد إلهي وهو المراد من تكذيبهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت