ولما علم جبريل عليه السلام خوفها {قَالَ} مجيبًا لها بما معناه: إني لست ممن تخشين أن يكون متهمًا مؤكدًا لأجل استعاذتها {إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ} أي: الذي عذت به فأنا لست متهمًا بل متصف بما ذكرت وزيادة الرسالة وعبر باسم الرب المقتضى للإحسان لطفًا بها، ولأن هذه السورة مصدرة بالرحمة ومن أعظم مقاصدها تعداد النعم على خلص عباده، وقوله: {ليهب لك} قرأ ورش وأبو عمرو وقالون بخلاف عنه بالياء أي: ليهب اللّه تعالى لك، وقرأ الباقون بالهمز أي: لأهب أنا لك وفي مجازه وجهان، الأول: أن الهبة لما جرت على يده بأن كان هو الذي ينفخ في جيبها بأمر اللّه تعالى جعل نفسه كأنه هو الذي وهب لها وإضافة الفعل إلى من هو سبب مستعمل، قال اللّه تعالى في الأصنام: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ} (إبراهيم: 36) .
الثاني: أن جبريل عليه السلام لما بشرها بذلك كانت البشارة الصادقة جارية مجرى الهبة. ثم بيّن الموهوب بقوله: {غُلاَمًا} أي: ولدًا ذكرًا في غاية القوة والرجولية ثم وصفه بقوله: {زَكِيًّا} أي: نبيًا طاهرًا من كل ما يدنس البشر ناميًا على الخير والبركة.