فهرس الكتاب

الصفحة 1859 من 1929

قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ}

أي: الجنس {فِي كَبَدٍ} قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أي: شدّة ونصب، وعنه أيضًا في شدّة من حمله وولادته ورضاعه ونبت أسنانه وسائر أحواله. وعن عكرمة منتصبًا في بطن أمّه، والكبد الاستواء والاستقامة، فهذا امتنان عليه في الحقيقة، ولم يخلق الله تعالى دابة في بطنها أمّها إلا منكبة على وجهها إلا ابن آدم فإنه منتصب انتصابًا.

وقال ابن كيسان: منتصبًا في بطن أمه فإذا أراد الله تعالى أن يخرجه من بطن أمه قلب رأسه إلى رجلي أمه.

وقال الحسن: يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة.

وقال يمان: لم يخلق الله تعالى خلقًا يكابد ما يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق.

قال بعض العلماء أوّل ما يكابد قطع سرته ثم إذا قمط قماطًا وشدّ رباطًا، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته ضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، ثم يكابد الفطام الذي هو أشدّ من اللطام، ثم يكابد الختان والأوجاع، ثم المعلم وصولته، والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج، وشغل الأولاد والخدم، وشغل المسكن والجيران، ثم الكبر والهرم، وضعف الركب والقدم، في مصائب يكثر تعدادها من صداع الرأس ووجع الأضراس، ورمد العين، وهمّ الدَّين، ووجع السنّ، وألم الأذن، ويكابد محنًا في المال والنفس من الضرب والحبس، ولا يمضي عليه يوم إلا يقاسي فيه شدّة، ثم يكابد بعد ذلك مشقة الموت، ثم بعده سؤال الملك وضغطة القبر وظلمته، ثم البعث والعرض على الله تعالى إلى أن يستقرّ به القرار، إما في الجنة وإما في النار، فدل هذا على أنَّ له خالقًا دبره وقضى عليه بهذه الأحوال، ولو كان الأمر إليه ما اختار هذه الشدائد فليتمثل أمر خالقه.

وقال ابن زيد: المراد بالإنسان هنا آدم عليه السلام.

وقوله تعالى: {فِي كَبَدٍ} ، أي: في وسط السماء.

وقال مقاتل: في كبد، أي: في قوّة نزلت في أبي الأشدين، واسمه أسيد بن كلدة بن جمح، وكان شديدًا قويًا، يضع الأديم العكاظي تحت قدميه فيقول: من أزالني عنه فله كذا وكذا، فيجذبه عشرة فيتمزق الأديم من تحت قدميه، ولا تزول قدماه ويبقى موضع قدميه، وكان من أعداء النبيّ صلى الله عليه وسلم وفيه نزل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت