فهرس الكتاب

الصفحة 1221 من 1929

قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ}

في معناه وجهان: أحدهما: إنا أوحينا إليك القرآن ثم أورثناه من بعدك أي: حكمنا بتوريثه أو قال تعالى {وَأَوْرَثْنَا} وهو يريد نورثه فعبر عنه بالماضي لتحققه وقال مجاهد: أورثنا أعطينا؛ لأن الميراث إعطاء واقتصر على هذا الجلال المحلي.

وقيل: أورثنا أخرنا ومنه الميراث؛ لأنه تأخر عن الميت ومعناه: أخرنا القرآن من الأمم السالفة وأعطيناكموه وأهَّلناكم له.

(تنبيه)

أكثر المفسرين على أن المراد بالكتاب القرآن.

وقيل: إن المراد جنس الكتاب {الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا} أي: اخترنا {مِنْ عِبَادِنَا} قال ابن عباس رضي الله عنه: يريد بالعباد أمة محمد صلى الله عليه وسلم أي: من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة، ونقل ابن الجوزي عن ابن عباس رضي الله عنه أن الله تعالى أورث أمة محمد صلى الله عليه وسلم كل كتاب أنزله أي: لأن الله تعالى اصطفاهم على سائر الأمم وجعلهم أمة وسطًا ليكونوا شهداء على الناس، وخصهم بكرامة الانتماء إلى أفضل رسله تعالى، وحمل الكتاب الذي هو أفضل كتب الله تعالى، ثم قسمهم بقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ}

أي: في التقصير بالعمل به {وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} أي: يعمل به في أغلب الأوقات {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} وهو من يضم إلى العمل به التعليم والإرشاد إلى العمل.

روى أسامة بن زيد في هذه الآية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كلهم من هذه الأمة» .

وروى أبو عثمان النهدي قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ على المنبر {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} الآية فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له» وروى أبو الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ} الآية (فاطر: 34)

قال: أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابًا يسيرًا، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم ثم يدخل الجنة، ثم قرأ قوله تعالى {الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} الآية.

وقال عقبة بن صهبان: سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله عز وجل {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} الآية فقالت: يا بني كلهم في الجنة أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق بهم، وأما الظالم فمثلي ومثلكم فجعلت نفسها معنا، وقال مجاهد والحسن: فمنهم ظالم لنفسه هم أصحاب المشأمة، ومنهم مقتصد هم أصحاب الميمنة، ومنهم سابق بالخيرات السابقون المقربون من الناس كلهم.

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: السابق المؤمن المخلص، والمقتصد المرائي والظالم الكافر نعمة الله تعالى غير الجاحد لها؛ لأنه تعالى حكم للثلاثة بدخول الجنة.

وقيل: الظالم هو الراجح السيئات، والمقتصد هو الذي تساوت سيئاته وحسناته، والسابق هو الذي رجحت حسناته.

وقيل: الظالم هو الذي ظاهره خير من باطنه، والمقتصد من تساوى ظاهره وباطنه، والسابق من باطنه خير من ظاهره.

وقيل: الظالم هو الموحد بلسانه الذي تخالفه جوارحه، والمقتصد: هو الموحد الذي يمنع جوارحه من المخالفة بالتكليف، والسابق هو الموحد الذي ينسيه التوحيد غير التوحيد.

وقيل: الظالم صاحب الكبيرة، والمقتصد صاحب الصغيرة، والسابق المعصوم.

وقيل: الظالم التالي للقرآن غير العالم به والعامل به، والمقتصد التالي العالم غير العامل، والسابق التالي العالم العامل.

وقيل: الظالم الجاهل، والمقتصد المتعلم، والسابق العالم.

وقال جعفر الصادق: بدأ بالظالم إخبارًا بأنه لا يتقرب إليه إلا بكرمه وإن الظلم لا يؤثر في الاصطفاء، ثم ثنّى بالمقتصد؛ لأنه بين الخوف والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكره وكلهم في الجنة، وقال أبو بكر الوراق: رتبهم هذا الترتيب على مقامات الناس؛ لأن أحوال العبد ثلاثة: معصية وغفلة، ثم توبة، ثم قربة، فإذا عصى دخل في حياز الظالمين، فإذا تاب دخل في جملة المقتصدين، فإذا صحت التوبة وكثرت العبادة والمجاهدة دخل في عداد السابقين.

وقيل غير ذلك والله أعلم.

ولما كان هذا ليس في قوة العبد في مجاري العادات ولا يوجد بالكسب والاجتهاد أشار إلى عظمته بقوله تعالى: {بِإِذْنِ اللَّهِ} أي: بتمكين من له القدرة التامة والعظمة العامة والفعل بالاختيار وجميع صفات الجمال والجلال والكمال وتسهيله وتيسيره، لئلا يأمن أحد مكره تعالى.

قال الرازي في «اللوامع» : ثم من السابقين من يبلغ محل القرب فيستغرق في وحدانيته تعالى {ذَلِكَ} أي: إيراثهم الكتاب أو السبق أو الاصطفاء {هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت