فهرس الكتاب

الصفحة 443 من 1929

{يِاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ}

أي: فيما أمرتم شهادة بينكم فشهادة مبتدأ خبره محذوف، قيل: هذه الآية وما بعدها من أشكل آي القرآن حكمًا وإعرابًا وتفسيرًا والمراد بالشهادة الإشهاد بالوصية.

وقيل: المراد بها اليمين بمعنى يمين ما بينكم أن يحلف اثنان، قال القرطبي: ورد لفظ الشهادة في القرآن على أنواع مختلفة بمعنى الحضور قال تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (البقرة: 185) وبمعنى قضى قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} (ال عمران: 18) وبمعنى أقرّ قال تعالى: {وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ} (النساء: 166) وبمعنى حكم قال تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ} (يوسف: 26) وبمعنى حلف قال تعالى: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ} (النور: 6) وبمعنى وصى قال تعالى: {يِاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} أي: أسبابه {حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} وهذا خبر بمعنى الأمر أي: ليشهد وإضافة شهادة لـ «بين» على الاتساع وحين بدل من إذا أو ظرف لحضر واثنان فاعل شهادة أو خبر مبتدأ محذوف أي: الشاهد اثنان ومن فسر الغير بأهل الذمّة جعله منسوخًا فإنّ شهادته على المسلم لا تسمع إجماعًا، وقد اتفق الأكثرون على أنه لا نسخ في سورة المائدة، وعن مكحول نسخها قوله تعالى: {وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ} (الطلاق: 2) وإنما جازت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذر وجودهم في حال السفر.

{إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ} أي: سافرتم {فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ} أي: قاربتم الأجل وقوله تعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا} أي: توقفونهما وتصبرونهما صفة لآخران {مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ} أي: صلاة العصر لأنه وقت اجتماع الناس وتصادم ملائكة الليل وملائكة النهار.

وقيل: أيّ صلاة كانت {فَيُقْسِمَانِ} أي: يحلفان {بالله} وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنَّ اليمين إنما تكون إذا كانا من غيرنا فإن كانا مسلمين فلا يمين، وعن غيره: إن كان الشاهدان على حقيقتهما فقد نسخ تحليفهما، وإن كانا الوصيين فلا إثم شرط لهذا الحلف شرطًا فقال اعتراضًا بين القسم والمقسم عليه {إِنِ ارْتَبْتُمْ} أي: شككتم فيما أخبرا به عن الواقعة ثم ذكر المقسم عليه بقوله: {لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا} أي: بهذا الذي ذكرناه ثمنًا أي: لم نذكره ليحصل لنا به غرض دنيوي وإن كان في نهاية الجلالة وليس قصدنا به إلا إقامة الحق {وَلَوْ كَانَ} أي: القسم له {ذَا قُرْبَى} أي: لنا {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ} أي: التي أمرنا بإقامتها {إِنَّآ إِذًَا} أي: إذا كتمناها {لَّمِنَ الثِمِينَ} .

{فَإِنْ عُثِرَ} أي: اطلع بعد حلفهما {عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّآ إِثْمًا} أي: فعلًا ما يوحيه من خيانة أو كذب في الشهادة بأن وجد عندها مثلًا ما اتهما به وادعيا أنهما ابتاعاه من الميت أو وصى لهما به {فَآخَرَانِ} أي: فشاهدان آخران {يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا} أي: في توجيه اليمين عليهما {مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ} الوصية وهم الورثة على قراءة غير حفص بضم التاء وكسر الحاء على البناء للمفعول وعلى البناء للفاعل فهو الأوليان ويبدل من آخران {الأَوْلَيَانِ} بالميت أي: الأقربان إليه، وقرأ حمزة وشعبة بتشديد الواو وكسر اللام وبسكون الياء وفتح النون على الجمع على أنه صفة للذين أو بدل منه أي: من الأوّلين الذين استحق عليهم والباقون بسكون الواو وفتح اللام والياء وألف بعد الياء وكسر النون على التثنية على أنه بدل من آخران كما مرّ أو خبر محذوف أي: هما الأوليان {فَيُقْسِمَانِ} أي: هذان الآخران {با} ويقولان {لَشَهَادَتُنَا} أي: يميننا {أَحَقُّ} أي: أصدق {مِن شَهَادَتِهِمَا} أي: يمينهما {وَمَا اعْتَدَيْنَآ} أي: تجاوزنا الحق في اليمين {إِنَّآ إِذًَا} أي: إذا وقع منا اعتداء {لَّمِنَ الظَّالِمِينَ} أي: الواضعين الشيء في غير موضعه.

ومعنى الآيتين: أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد عدلين من ذوي نسبه أو دينه على وصيته أو يوصي إليهما احتياطًا فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخران من غيرهم ثم إن وقع نزاع وارتياب أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت، فإن اطلع على أنهما كذبا بأمارة أو مظنة حلف آخران من أولياء الميت والحكم منسوخ إن كان الاثنان شاهدين فإن الشاهد لا يحلف ولا تعارض يمينه بيمين الوارث، وثابت إن كانا وصيين وردّ اليمين إلى الورثة إمّا لظهور خيانة الوصيين فإنّ تصديق الوصي باليمين لأمانته أو لتغيير الدعوى وتخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة التي نزلت لها، وهي ما روي أنَّ رجلًا من بني سهم خرج مع تميم الداري وعدي بن زيد إلى الشام للتجارة وكانا حينئذٍ نصرانيين ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص وكان مسلمًا فلما قدموا الشام مرض بديل فدوّن ما معه في صحيفة وطرحها في متاعه ولم يخبرهما بها وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعه إلى أهله ومات ففتشاه وأخذا منه إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشًا بالذهب ثم قضيا حاجتهما وانصرفا إلى المدينة ودفعا المتاع إلى أهل الميت ففتشوا فأصابوا الصحيفة فيها تسمية ما كان معه فجاءوا تميمًا وعديًا فقالوا: هل باع صاحبنا شيئًا؟

قالا: لا قالوا: هل اتجر تجارة قالا: لا قالوا: فهل طال مرضه فأنفق على نفسه؟

قالا لا قالوا: فإنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها تسمية ما معه وإنا فقدنا منها إناء من فضة مموّهًا بالذهب ثلثمائة مثقال من فضة قالا: ما ندري إنما أوصى لنا بشيء وأمرنا أن ندفعه لكم فدفعناه وما لنا علم بالإناء فاحتصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجترآ على الإنكار وحلفا فأنزل تعالى الله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} الآية فلما نزلت هذه الآية صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ودعا تميمًا وعديًا فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم يختانا شيئًا مما دفع إليهما فحلفا على ذلك وخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما، ثم وجد الإناء في أيديهما، فبلغ ذلك بني سهم فأتوهما في ذلك فقالا: إنا كنا قد اشتريناه منه فقالوا: ألم تزعما أنَّ صاحبنا لم يبع شيئًا من متاعه؟

قالا: لم يكن عندنا بينة وكرهنا أن نقر لكم فكتمنا لذلك فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت فإن عثر فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي رفاعة السهميان وحلفا وتقدّم أنَّ تخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة التي نزلت لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت