أي: رشد {مِّن رَّبِّهِمْ} ونكر هدى للتعظيم فكأنه أريد به ضرب لا يبالغ كنهه ولا يقادر قدره وأكد تعظيمه بأنَّ الله مانحه والموفق له.
{وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
أي: الفائزون بالجنة والناجون من النار كرّر فيه اسم الإشارة تنبيهًا على أن اتصافهم بتلك الصفات يقتضي كل واحد من الاختصاصين وأن كلًا منهما كافٍ في تمييزهم بها عن غيرهم فلا يحتاجون فيه إلى مجموعهما.
«فَإِنْ قِيلَ» : لم وسط العاطف بين هاتين الجملتين دون قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} ؟
أجيب: بأن الجملتين هنا مختلفتان باختلاف المسندين فيهما إذ على هدى من ربهم والمفلحون وإن تناسبتا تعلقًا مختلفتان مفهومًا ووجودًا ومقصودًا لأن الهدى في الدنيا والفلاح في العقبى وإثبات كل منهما مقصود في نفسه بخلاف كالأنعام والغافلون فإنهما وإن اختلفا مفهومًا قد اتحدا مقصودًا ووجودًا إذ لا معنى للتشبيه بالأنعام إلا المبالغة في الغفلة في الدنيا فناسب العطف في الأوّل دون الثاني.
تنبيه: تأمّل كيف نبه سبحانه وتعالى على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد من وجوه شتى بناء الكلام على اسم الإشارة للتعليل مع الإيجاز وتكريره وتعريف الخبر وتوسط الفصل لإظهار قدرهم والترغيب في اقتضاء أثرهم وأصل الفلاح القطع والشق ومنه سمي الزراع فلاحًا لأنه يشق الأرض فهم المقطوع لهم بالخير في الدنيا والآخرة.