قوله تعالى: {كِتَابًا مُتَشَابِهًا}
نعت لكتابًا وهو المسوغ لمجيء الجامد حالًا أو أنه في قوة مكتوب وتشابهه بتشابه أبعاضه في الإعجاز والبلاغة والموعظة الحسنة لا تفاوت فيه أصلًا في لفظ ولا معنى مع كونه نزل مفرقًا في نيف وعشرين سنة، وأما كلام الناس فلا بد فيه من التفاوت وإن طال الزمان في التهذيب سواء اتحد زمانه أم لا.
وقوله تعالى: {مَّثَانِيَ} جمع مثنى بمعنى مردد ومكرر لما ثنى من قصصه وأنبائه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده مواعظه أو جمع مثنى مفعل من التثنية بمعنى التكرير والإعادة.
وقيل: لأنه يثنى في التلاوة فلا يمل كما جاء في وصفه لا يخلق على كثرة الترداد.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف وصف كتابًا وهو مفرد بالجمع؟
أجيب: بأن الكتاب جملة ذات تفاصيل وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير ألا ترى أنك تقول: القرآن أسباع وأخماس وسور وآيات فكذلك تقول: أقاصيص وأحكام ومواعظ مكررات ونظيره قولك الإنسان عظام وعروق وأعصاب إلا أنك تركت الموصوف إلى الصفة وأصله كتابًا متشابهًا فصولًا مثاني، ويجوز أن يكون مثاني منتصبًا على التمييز من متشابهًا كما تقول: رأيت رجلًا حسنًا شمائل.
«فَإِنْ قِيلَ» : ما فائدة التثنية والتكرير؟
أجيب: بأن النفوس أنفر شيء عن حديث الوعظ والنصيحة، فما لم يكرر عليها عودًا على بدء لم يرسخ فيها ولم يعمل عمله ومن ثم كانت عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكرر عليهم ما كان يعظهم به وينصح ثلاث مرات وسبعًا ليركزه في قلوبهم ويغرسه في صدورهم.