أي: طلب الغفران من مولاه الذي أحسن إليه {وَخَرَّ} أي: سقط من قيامه توبة لربه عن ذلك {رَاكِعًا} أي: ساجدًا على تسمية السجود ركوعًا لأنه مبدؤه، أو خر للسجود راكعًا أو مصليًا كأنه أحرم بركعتي الاستغفار {وَأَنَابَ} أي: رجع إلى الله تعالى.
قال الرازي: وللناس في هذه القصة ثلاثة أحوال:
أحدها: أن هذه القصة دلت على صدور الكبيرة منه، وثانيها: على الصغيرة، وثالثها: لا تدل على كبيرة ولا صغيرة، فأما القول الأول فقالوا: إن داود عليه السلام أحب امرأة أوريا فاحتال في قتل زوجها ثم تزوج بها ثم أرسل الله تعالى ملكين في صورة المتخاصمين في واقعة تشبه واقعته وعرضا تلك الواقعة عليه، فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنبًا ثم تنبه لذلك واشتغل بالتوبة، قالوا: وسبب ذلك أن داود عليه السلام تمنى يومًا من الأيام منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب وسأل ربه: أن يمتحنه كما امتحنهم ويعطيه من الفضل ما أعطاهم فأوحى الله تعالى إليه أنك تبتلى في يوم كذا فاحترس، فلما كان ذلك اليوم جاءه الشيطان فتمثل له في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن فأعجبه حسنها فمد يده ليأخذها ويريها بني إسرائيل لينظروا إلى قدرة الله تعالى فطارت غير بعيدة فتبعها فطارت من كوة، فنظر داود أين تقع فأبصر داود امرأة في بستان تغتسل فعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة فأبصرت ظله فنقضت شعرها فغطى بدنها فزاده إعجابًا، فسأل عنها فقيل له: امرأة أوريا وزوجها في غزاة فأحب داود أن يقتله ويتزوج بها، فأرسل داود إلى ابن أخته أن قدم أوريا قبل التابوت وكان من قدم على التابوت لا يحل أن يرجع وراءه حتى يفتح الله تعالى على يديه أو يقتل، فقدمه ففتح على يديه فكتب إلى داود فأمر أن يقدمه بعد ذلك ففعل ثلاث مرات فقتل في الثالثة فلما انقضت عدتها تزوج بها فهي أم سليمان عليهما السلام.
قال الرازي: والذي أدين الله تعالى به وأذهب إليه أن ذلك باطل لوجوه.
الأول: أن هذه الحكاية لا تناسب داود لأنها لو نسبت إلى أفسق الناس وأشدهم فجورًا لانتفى منها والذي نقل هذه القصة لو نسب إلى مثل هذا العمل لبالغ في تنزيه نفسه وربما لعن من نسبه إليها فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصية إلى داود عليه السلام.
ثانيها: أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي في قتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته، أما الأول: فأمر منكر قال صلى الله عليه وسلم «من سعى في ذم مسلم ولو بشطر كلمة جاء مكتوبًا بين عينيه آيس من رحمة الله» ، وأما الثاني: فمنكر أيضًا قال صلى الله عليه وسلم «المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه» فإن أوريا لم يسلم من داود عليه السلام لا في روحه ولا في منكوحه.
ثالثها: إن الله تعالى وصف داود عليه السلام بصفات تنافي كونه عليه السلام موصوفًا بهذا الفعل المنكر.
الصفة الأولى: أنه تعالى أمر محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بداود عليه السلام في المصابرة على المكاره فلو قلنا: إن داود لم يصبر على مخالفة النفس بل سعى في إراقة دم عبد مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن يأمر محمدًا أفضل الرسل صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي بداود في الصبر على طاعة الله تعالى.
الصفة الثانية: أنه وصفه بكونه عبدًا له وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصوف كاملًا في وصف العبودية في القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحظورات، فلو قلنا: إن داود اشتغل بتلك الأعمال الباطلة فحينئذ ما كان داود كاملًا إلا في طاعة الهوى والشهوة.
الصفة الثالثة: وهي قوله تعالى {ذَا الأَيْدِ} أي: ذا القوة ولا شك أن المراد منه القوة في الدين لأن القوة الكاملة في أداء الواجبات والاجتناب عن المحظورات وأي قوة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم.
الصفة الرابعة: كونه أوابًا كثير الرجوع إلى الله فكيف يليق هذا الوصف بمن قلبه مشغول بالفسق والفجور.
الصفة الخامسة: قوله تعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ} أَفَتَرى أنه سخرت له الجبال ليتخذ سبيل القتل والفجور؟.
الصفة السادسة: قوله تعالى: {وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً} قيل: إنه كان محرمًا عليه صيد شيء من الطير فكيف يعقل أن يكون الطير آمنًا منه ولا يجوز أمن الرجل المسلم على روحه ومنكوحه.
الصفة السابعة: قوله تعالى: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} ومحال أن يكون المراد أنه تعالى شد ملكه بأسباب الدنيا بل المراد إنا ملكناه بقوى الدين وأسباب سعادة الآخرة، والمراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن لم يملك نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك.
الصفة الثامنة: قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} والحكمة اسم جامع لكل ما ينبغي علمًا وعملًا فكيف يجوز أن يقال: إنا آتيناه الحكمة وفصل الخطاب مع إصراره على ما يستنكف من مزاحمة أخص أصحابه في الروح والمنكوح، فهذه الصفات التي وصف بها قبل شرح القصة وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة.
فأولها: قوله تعالى: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} وقوله تعالى: {يدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ} فكيف أن الله تعالى يجعله خليفة ويقع منه ذلك، وقد روي عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: من حدثكم بحديث داود على ما ترويه القصاص فاجلدوه مائة جلدة وستين وهو حد الفرية أي: الكذب على الأنبياء، ومما يقوي هذا أنهم قالوا: إن المغيرة بن شعبة زنا وشهد ثلاثة من الصحابة بذلك وأما الرابع فلم يقل إني رأيت ذلك بعيني، فإن عمر رضي الله عنه كذب أولئك الثلاثة وجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا، فإذا كان هذا الحال في واحد من آحاد الصحابة كذلك، فكيف الحال مع داود عليه السلام مع أنه من أكابر الأنبياء عليهم السلام، فثبت بما ذكرنا أن القصة الذي ذكرها هؤلاء باطلة لا يجوز ذكرها.
قال الرازي: حضرت في مجلس وفيه بعض الأكابر فكان يريد أن يتعصب لتقرير ذلك القول الفاسد والقصة الخبيثة بسبب اقتضى ذلك فقلت له: لا شك أن داود عليه السلام كان من أكابر الأنبياء والرسل، وقال الله تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} (الأنعام: 124)
ومن مدحه الله تعالى بمثل هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ في الطعن فيه، وأيضًا بتقدير أنه ما كان نبيًا فلا شك أنه كان مسلمًا وقال صلى الله عليه وسلم «لا تذكروا موتاكم إلا بخير» وذكرت له أشياء أخر قال: سكت ولم يذكر شيئًا.