فهرس الكتاب

الصفحة 547 من 1929

{هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ بِالْمُؤْمِنِينَ}

أي: الأنصار.

«فَإِنْ قِيلَ» : فإذا كان الله تعالى مؤيده بنصره، فأيّ حاجة مع نصره تعالى إلى المؤمنين؟

أجيب: بأن التأييد ليس إلا من الله تعالى دائمًا لكنه على قسمين: أحدهما: ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة، والثاني ما يحصل بذلك فالأوّل هو المراد من قوله تعالى: {أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ} ، والثاني: هو المراد من قوله تعالى: {وَبِالْمُؤْمِنِينَ} والله تعالى هو مسبب الأسباب، وهو الذي أقامهم بنصره ثم بيّن تعالى كيف أيده بالمؤمنين بقوله تعالى:

{وَأَلَّفَ} أي: جمع {بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} وذلك إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث إلى قوم أنفتهم شديدة، وحميتهم عظيمة حتى لو أنَّ رجلًا من قبيلة لطم لطمةً واحدة، قاتلت عنه قبيلته حتى يدركوا ثأره، ثم إنهم انقلبوا عن تلك الحالة حتى قاتل الرجل أباه وأخاه وابنه، واتفقوا على الطاعة وصاروا أنصارًا دعاة، فإزالة تلك العداوة الشديدة وتبديلها بالمحبة القوية، مما لا يقدر عليها إلا الله تعالى، وصارت تلك معجزة ظاهرة على صدق نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ولهذا قال تعالى: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} أي: تناهت عداوتهم إلى حد لو أنفقت في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم تقدر على الإلفة والصلاح بينهم {وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} بقدرته البالغة، فإنه تعالى المالك للقلوب يقلبها كيف يشاء {أَنَّهُ} أي: الله تعالى {عَزِيزٌ} أي: غالب على أمره لا يعصى عليه ما يريد {حَكِيمٌ} لا يخرج شيء عن حكمته.

وقيل: الآية نزلت في الأوس والخزرج كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك سادتهم ورؤساءهم فأنساهم الله تعالى ذلك، وألف بين قلوبهم بالإسلام حتى تصادقوا وصاروا أنصارًا، وما ذاك إلا بلطيف صنعه وبليغ قدرته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت