{رِزْقًا لِّلْعِبَادِ}
«فَإِنْ قِيلَ» : ما الحكمة في قوله تعالى عند ذكر خلق السماء والأرض (تبصرة وذكرى) وفي الثمار قال (رزقًا) والثمار أيضًا فيها تبصرة وفي السماء والأرض أيضًا منفعة غير التبصرة والتذكرة؟
أجيب: بأنَّ الاستدلال وقع لوجود أمرين:
أحدهما: الإعادة.
والثاني: البقاء بعد الإعادة فإنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يخبرهم بحشر وجمع يكون بعده الثواب الدائم والعقاب الدائم وأنكروا ذلك فقال: أما الأوّل فالله القادر على خلق السماوات والأرض قادر على خلق الخلق بعد الفناء وأما الثاني فلأنّ البقاء في الدنيا بالرزق والقادر على إخراج الأرزاق من النخل والشجر قادر على أن يرزق بعد الحشر فكان الأولّ تبصرة وتذكرة بالخلق.
والثاني: تذكرة بالبقاء والرزق ويدل على هذا الفصل بينهما بقوله تعالى {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى} حيث ذكر ذلك بين الآيتين ثم بدأ بذكر الماء وإنزاله وإثبات النبات
(تنبيه)
لم يقيد هنا العباد بالإنابة وقيده في قوله تعالى: {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} لأنّ التذكرة لا تكون إلا للمنيب، والرزق يعمّ كل أحد غير أنَّ المنيب يأكل ذاكرًا أو شاكرًا للأنعام، وغيره يأكل كما تأكل الأنعام فلم يخصص بقيد ولما كان في ذلك أعظم مذكر للبصراء بالبعث وبجميع صفات الكمال أتبعه ماله من التذكير بالبعث بخصوصية فقال تعالى {وَأَحْيَيْنَا بِهِ} أي: الماء بعظمتنا {بَلْدَةً} بالتأنيث إشارة إلى أنها في غاية الضعف والحاجة إلى النبات والخلوّ عنه وذكر {مَيْتًا} للزيادة في تقرير تمكن الحاجة فيها أو حملًا على معنى المكان
«فَإِنْ قِيلَ» : ما الفرق بين هذا الموضع وبين قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ} (يس: 33)
حيث أثبت الهاء هناك؟
أجيب: بأنَّ الأصل في الأرض الوصف فقال الميتة: لأنّ معنى الفاعلية ظاهر هناك والبلدة الأصل فيها الحياة، لأنّ الأرض إذا صارت حية صارت آهلة وأقام بها القوم وعمروها فصارت بلدة فأسقط التاء لأنّ معنى الفاعلية غير ظاهر فتثبت فيه الهاء وإذا كان معنى الفاعل لم يظهر لا تثبت فيه الهاء.
ويحقق هذا القول قوله تعالى {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ} (سبأ: 15)
حيث أثبت الهاء حيث ظهر معنى الفاعل ولم يثبت حيث لم يظهر.