«فَإِنْ قِيلَ» : لم خص الخير بالكسب والشرّ بالاكتساب؟
أجيب: بأنَّ في الاكتساب اعتمالًا أي: اضطرابًا في العمل مبالغة واجتهادًا، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمارة به كانت أشدّ حبًا واجتهادًا في تحصيله وأعملت فجعلت لذلك مكتسبة فيه ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال قولوا {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا} أي: لا تعاقبنا {إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} أي: بما أدّى بنا إلى النسيان أو الخطأ من تفريط وقلة مبالاة؛ لأنّ المؤاخذة إنما هي بالمقدور والنسيان والخطأ ليس بمقدورين، ويجوز أن يراد نفس النسيان والخطأ أي: لا تؤاخذنا بهما كما آخذت به من قبلنا، قال الكلبي: كان بنو إسرائيل إذا نسوا شيئًا مما أمروا به أو أخطؤوا عجلت لهم العقوبة، فحرم عليهم شيء من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الذنب، فأمر الله المؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» .
«فَإِنْ قِيلَ» : النسيان والخطأ متجاوز عنهما فما معنى الدعاء بترك المؤاخذة بهما؟
أجيب: بأنَّ المراد بذكرهما ما هما مسببان عنه من التفريط والإغفال ألا ترى إلى قوله: {وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ} والشيطان لا يقدر على فعل النسيان وإنما يوسوس فتكون وسوسته سببًا للتفريط الذي منه النسيان، ويجوز أن يدعو الإنسان بما علم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل الله لاستدامته وذكره بلفظ الدعاء على معنى التحدّث بنعمة الله فيه، قال الله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} .