{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) }
أي: وبشيرًا، وهذا أحسن الوجوه معنىً وصناعة لقربه مما يعود عليه والضمير يعود على أقرب مذكور، وللعالمين متعلق بنذيرًا، وإنما قدّم لأجل الفواصل، ونذيرًا بمعنى منذر أي: مخوف ويجوز أن يكون مصدرًا بمعى الإنذار كالنكير بمعنى الإنكار ومنه قوله تعالى: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}
(تنبيه)
المراد بالعالمين قال البقاعي: أي: المكلفين كلهم من الجن والإنس والملائكة اهـ. ولكن في إرساله للملائكة خلاف بين العلماء، فقد نقل الجلال المحلي في شرحه على «جمع الجوامع» الإجماع على أنه لم يرسل إليهم، وغيره صرح بأنه أرسل إليهم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
«فَإِنْ قِيلَ» : قوله تعالى: تبارك يدل على كثرة الخير والبركة، فالمذكور عقبه لا بد وأن يكون مبينًا لكثرة الخير والمنافع، والإنذار يوجب الغم والخوف فكيف يليق ذكره بهذا الموضع؟
أجيب: بأن الإنذار يجري مجرى تأديب الوالد كما أنه كلما كانت المبالغة في تأديب الوالد أكثر كان رجوع الخلق إلى الله تعالى أكثر، وكانت السعادة الأخروية أتم وأكثر، وهذا كالتنبيه على أنه لا التفات إلى المنافع العاجلة؛ لأنه تعالى لما وصف نفسه يعطي الخيرات الكثيرة لم يذكر إلا منافع الدين، ولم يذكر منافع الدنيا ألبتة، وقوله تعالى: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} إشارة إلى احتياج هذه المخلوقات إليه سبحانه وتعالى حال حدوثها، وأنه تعالى هو المتصرف فيها كيف يشاء، فلا إنكار أن يرسل رسولًا إلى كل من فيها.