{إِلاَّ} أي: لكن نحن سلطناه عليهم بسلطاننا، وملكناه قيادهم بقهرنا، وعبر عن التمييز الذي هو سبب العلم بالعلم فقال: {لِنَعْلَمَ} أي: بما لنا من العظمة {مَن يُؤْمِنُ} أي: يوجد الإيمان لله {بِالآخِرَةِ} أي: ليتعلق علمنا بذلك في عالم الشهادة في حال تمييزه تعلقًا تقوم به الحجة في مجاري عادات البشر كما كان متعلقًا به في عالم الغيب {مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا} أي: الآخرة {فِي شَكٍّ} فهو لا يجدد لها إيمانًا أصلًا لأن الشك ظرف له محيط به، وإنما استعار إلا موضع لكن إشارة إلى أنه مكنه تمكينًا تامًا صار به كمن له سلطان حقيقي.
(تنبيه)
قال الرازي: إن علم الله تعالى من الأزل إلى الأبد محيط لكل معلوم، وعلمه لا يتغير وهو في كونه عالمًا لا يتغير، ولكن يتغير تعلق علمه، فإن العلم صفة كاشفة يظهر فيها كل ما في نفس الأمر فعلم الله تعالى في الأزل أن العالم سيوجد، فإذا وجد علمه موجودًا بذلك العلم وإذا عدم علمه معدومًا، كذلك المرآة المصقولة الصافية يظهر فيها صورة زيد إن قابلها ثم إذا قابلها عمر وتظهر فيها صورته، والمرآة لم تتغير في ذاتها ولا تبدلت في صفاتها، وإنما التغيير في الخارجيات، وكذا هنا قوله {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} أي: ليقع في العلم صدور الكفر من الكافر، والإيمان من المؤمن، وكان علم الله تعالى أنه سيكفر زيد ويؤمن عمرو.
وقال البغوي: المعنى إلا لنميز المؤمن من الكافر، وأراد علم الوقوع والظهور وقد كان معلومًا عنده بالغيب.