خطاب لآدم وحوّاء لقوله تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا} (طه، 123) وجمع الضمير لأنهما أصل الإنس فكأنهما الإنس كلهم أو هما وإبليس أخرج منها ثانيًا بعدما كان يدخلها للوسوسة أو دخلها مسارقة أو من السماء لا من الباب على الخلاف المتقدّم، وقيل: هما وإبليس والحية فهبط آدم بسرنديب بأرض الهند على جبل يقال له: نود وحوّاء بجدّة وإبليس بالإبلة وقيل: ببيسان بالبصرة على أميال والحية بأصبهان، وقوله تعالى: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} حال استغنى فيها عن الواو بالضمير والمعنى متعادين، فإن كان الخطاب لآدم وحوّاء فقط فالمراد ببعضكم: بعض الذرّية أي: بعض ذرّيتكم لبعض عدوّ من ظلم بعضهم بعضًا، وإن كان الخطاب لهما ولإبليس والحية فالمراد العداوة بين المؤمنين من ذرّية آدم والحية وبين إبليس، قال الله عز وجل: {إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ} (الأعراف، 22) ، وروى عكرمة عن ابن عباس أنه كان يأمر بقتل الحيات وقال: من تركهنّ خشية أو مخافة تأثر فليس منا، وزاد موسى بن مسلم عن عكرمة في الحديث ما سالمناهنّ منذ حاربناهنّ، وروي أنه نهى عن ذوات البيوت.
وروي عن أبي سعيد الخدريّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «أنّ بالمدينة جنًا قد أسلموا فإن رأيتم منهم شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان» {وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} أي: موضع قرار {وَمَتَاعٌ} ما تتمتعون به من نباتها {إِلَى حِينٍ} أي: وقت إنقضاء آجالكم {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} أي: استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها وهي {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} (الأعراف، 23) الآية، وقيل: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك لا إله إلا أنت
ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «قال آدم: يا رب ألم تخلقني بيدك؟
قال: بلى، قال: يا رب ألم تنفخ فيّ الروح من روحك؟
قال: بلى، قال: ألم تسكني جنتك؟
قال: بلى، قال: يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟
قال: نعم»، رواه الحاكم وصححه. وقول آدم أراجعي بتخفيف الياء اسم فاعل أضيف إلى المفعول وأنت فاعل لاعتماده على الاستفهام، أو مبتدأ خبره ما قبله، وقرأ ابن كثير بنصب الميم من آدم ورفع التاء من كلمات على أنها تلقته، والباقون برفع الميم وكسر التاء والكسر هذا علامة النصب لأنه جمع مؤنث سالم فينصب بالكسرة {فَتَابَ عَلَيْهِ} أي: قبل توبته وإنما رتب تاب عليه بالفاء على تلقي الكلمات لتضمن تلقي الكلمات معنى التوبة وهو الاعتراف بالذنب والندم عليه والعزم على أن لا يعود إليه وردّ المظالم إن كانت واكتفى بذكر آدم لأنّ حوّاء كانت تبعًا له في الحكم، ولذلك طوي ذكر النساء في أكثر القرآن والسنن {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ} الرجاع على عباده بالمغفرة، أو الذي يكثر إعانتهم على التوبة، وإذا وصف بها البارئ أريد بها الرجوع من العقوبة إلى المغفرة {الرَّحِيمِ} البالغ في الرحمة، وفي الجمع بين التوبة والرحمة وعد للتائب بالإحسان مع العفو.