قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ}
أي: يشاؤه، {قَدِيرٌ} كالتصريح بما ذكر والتقرير له والشيء يختص بالموجود فلا يطلق على المعدوم.
«فَإِنْ قِيلَ» : لو اختص الشيء بالموجود لما تعلقت به القدرة لأنها الصفة المؤثرة على وفق الإرادة وتأثيرها الإيجاد وإيجاد الموجود محال فالذي تعلقت به القدرة معدوم وهو شيء فالمعدوم شيء؟
أُجيب: بأن المحال إيجاد الموجود بوجود سابق وهو غير لازم، واللازم إيجاد موجود هو أثر ذلك الإيجاد وليس بمحال، والقدرة هو التمكن من إيجاد الشيء، وقيل: صفة مقتضى التمكن، وقيل: قدرة الإنسان هيئة بها يتمكن من الفعل وقدرة الله تعالى عبارة عن نفي العجز عنه، والقادر هو الذي إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، والقدير الفعال لما يشاء ولذلك قلما يوصف به غير الباري تعالى، واشتقاق القدير من القدرة لأنّ القادر يوقع الفعل على مقدرار قوّته أو على مقدار ما تقتضيه مشيئته، وفي ذلك دليل على أنَّ الحادث حال حدوثه والممكن حال بقائه مقدوران، وأنّ مقدور العبد مقدور الله تعالى خلافًا لأبي علي وأبي هاشم لأنه شيء وكل شيء مقدور، واحتج بعض الفرق بأن هذه الآية تدل على أن الله تعالى ليس بشيء، قال: لأنها تدل على أنَّ كل شيء مقدور لله تعالى والله سبحانه وتعالى ليس بمقدور له فوجب أن لا يكون شيئًا، واحتج أيضًا على ذلك بقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (الشورى، 11) قال: لو كان هو تعالى شيئًا فهو تعالى مثل مثل نفسه فكان يكذب قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فوجب أن لا يكون شيئًا حتى لا يناقض هذه الآية.
واعلم أنَّ هذا الخلاف في الاسم لأنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم، واحتج أصحابنا بوجهين: الأوّل قوله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللَّهِ} .
والثاني قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} والمستثنى داخل في المستثنى منه فوجب أن يكون شيئًا، وأجيب عن قوله: إنّ هذه الآية تدل على أن الله تعالى قادر على نفسه بأنَّ تخصيص العام جائز في الجملة وأيضًا تخصيص العام جائز بدليل العقل.
«فَإِنْ قِيلَ» : إذا كان اللفظ موضوعًا للكل ثم إنه تبين أنه غير صادق في الكل كان هذا كذبًا وذلك يوجب الطعن في القرآن؟
أُجيب: بأنَّ لفظ الكل كما أنه مستعمل في المجموع فقد يستعمل مجازًا في الأكثر فإذا كان ذلك مجازًا مشهورًا في اللغة لم يكن استعمال اللفظ فيه كذبًا.