{وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ} أي: السفن في جميع البحار وما جرى مجراها عند هبوبها، وإنما زاد {بِأَمْرِهِ} لأن الريح قد تهب ولا تكون موافقة فلا بدّ من إرساء السفن والاحتيال لحبسها، وربما عصفت وأغرقتها {وَلِتَبْتَغُواْ} أي: تطلبوا {مِن فَضْلِهِ} من رزقه بالتجارة في البحر {وَلَعَلَّكُمْ} أي: ولتكونوا إذا فعل بكم ذلك على رجاء من أنكم {تَشْكُرُونَ} على ما أنعم عليكم من نعمه ودفع عنكم من نقمه.
(تنبيه)
قال تعالى في ظهر الفساد {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُواْ} (الروم: 41)
وقال هاهنا {وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ} فخاطبهم هاهنا تشريفًا ولأنّ رحمته قريب من المحسنين وحينئذ فالمحسن قريب فيخاطب، والمسيء بعيد فلم يخاطب، وقال هناك {بَعْضَ الَّذِي عَمِلُواْ} فأضاف ما أصابهم إلى أنفسهم وأضاف ما أصاب المؤمن إلى رحمته فقال تعالى: {مِّن رَّحْمَتِهِ} لأنّ الكريم لا يذكر لرحمته وإحسانه عوضًا فلا يقول: أعطيتك لأنك فعلت كذا بل يقول: هذا لك مني، وأما ما فعلت من الحسنة فجزاؤه بعد عندي. وأيضًا فلو قال: أرسلت لسبب فعلكم لا يكون بشارة عظيمة، وأما إذا قال: من رحمته كان غاية البشارة، وأيضًا فلو قال: بما فعلتم لكان ذلك موهمًا لنقصان ثوابهم في الآخرة، وأما في حق الكفار فإذا قال: بما فعلتم أنبأ عن نقصان عقابهم وهو كذلك وقال هناك {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} وقال هنا: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} فالواو إشارة إلى توفيقهم للشكر في النعم.