فهرس الكتاب

الصفحة 1701 من 1929

قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ}

قيل: خلق الموت في الدنيا والحياة في الآخرة، وقدم الموت على الحياة لأنّ الموت إلى القهر أقرب كما قدم البنات على البنين فقال: {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ} (الشورى: 49)

وقيل: قدمه لأنه أقدم، لأنّ الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنطف والتراب ونحوه.

وقال قتادة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء» وعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لولا ثلاث ما طأطأ ابن آدم رأسه الفقر والمرض والموت» ، وقيل: إنما قدم الموت على الحياة لأن من نصب الموت بين عينيه كان أقوى الدواعي إلى العمل، وحكي عن ابن عباس والكلبي ومقاتل أنَّ الموت والحياة جسمان، والموت في هيئة كبش لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاء وهي التي كان جبريل عليه السلام والأنبياء عليهم السلام يركبونها خطوتها مدّ البصر فوق الحمار ودون البغل لا تمر بشيء ولا يجد ريحها إلا حيي ولا تطأ على شيء إلا حيي وهي التي أخذ السامري من أثرها فألقاه على العجل فحيي، حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس.

وعن مقاتل: {خَلَقَ الْمَوْتَ} يعني: النطفة والعلقة والمضغة، وخلق الحياة يعني: خلق إنسانًا فنفخ فيه الروح فصار إنسانًا.

قال القرطبي: وهذا حسن يدل عليه قوله تعالى: {لِّيَبْلُوَكُمْ} أي: يعاملكم وهو أعلم بكم من أنفسكم معاملة المختبر لإظهار ما عندكم من العمل بالاختبار {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} أي: من جهة العمل، أي: عمله أحسن من عمل غيره، وروي عن عمر مرفوعًا: «أحسن عملًا أحسن عقلًا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله» وقال الفضيل بن عياض: أحسن عملًا أخلصه وأصوبه وقال: العمل لا يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، فالخالص إذا كان لله والصواب إذا كان على السنة، وقال الحسن: أيكم أزهد في الدنيا وأترك لها، وقال السدي: أيكم أكثر للموت ذكرًا وأحسن استعدادًا وأشد خوفًا وحذرًا.

وقيل: يعاملكم معاملة المختبر، فيبلو العبد بموت من يعز عليه ليبين صبره وبالحياة ليبين شكره.

وقيل: خلق الله تعالى الموت للبعث والجزاء وخلق الله الحياة للابتلاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت