فهرس الكتاب

الصفحة 539 من 1929

{وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا}

أي: إنّ الله تعالى قلل عدد المشركين في أعين المؤمنين يوم التقوا في القتال ليتأكد في اليقظة ما رآه النبيّ صلى الله عليه وسلم في منامه، وأخبر به أصحابه، وتقوى بذلك قلوب المؤمنين وتزداد جراءتهم ولا يجبنوا عن قتالهم.

قال ابن مسعود: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى اجنبي: أتراهم سبعين؟

قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلًا منهم فقلنا: كم كنتم؟

قال: ألفًا، والضميران مفعولا يرى، وقليلًا حال من الثاني {وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ} أي: ويقللكم يا معشر المؤمنين في أعينهم أي: المشركين؛ لئلا يهربوا وإذا استقلوا عدد المسلمين لم يبالغوا في الاستعداد والتأهب لقتالهم، فيكون ذلك سببًا لظهور المؤمنين.

قال السدّيّ: قال ناس من المشركين: إنّ العير قد انصرفت، فارجعوا، فقال أبو جهل: الآن إذ برز لكم محمد وأصحابه، فلا ترجعوا حتى تستأصلوهم إنما محمد وأصحابه أكلة جزور

يعني جمع آكل أي: قليل يشبعهم جزور واحد، يضرب مثلًا في القلة والأمر الذي لا يعبأ به، ثم قال: فلا تقتلوهم واربطوهم بالحبال، أراد بقوله ذلك القدرة والقوّة.

«فَإِنْ قِيلَ» : كيف يمكن تقليل الكثير وتكثير القليل؟

أجيب: بأنَّ ذلك ممكن في قدرة الله تعالى، وإنّ الله تعالى على ما يشاء قدير، ويكون ذلك معجزة للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمعجزة هي من خوارق العادات، فلا ينكر ذلك، أو أنَّ الله تعالى يستر عنهم بعضه بساتر، أو يحدث في أعينهم ما يستقلون له الكثير كما أحدث في عيون الحول ما يرون له الواحد اثنين، قيل لبعضهم: إنّ الأحول يرى الواحد اثنين، وكان بين يديه ديك قال: فمالي أرى هذين الديكين أربعة، وهذا قبل: التحام القتال فلما التحم أراهم إياهم مثليهم كما في آل عمران {لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} أي: في علمه، وهو إعلاء كلمة الإسلام ونصر أهله.

«فَإِنْ قِيلَ» : قد تقدّم ذلك في الآية المتقدّمة، فكان ذكره هنا محض تكرار؟

أجيب: بأنَّ المقصود من ذكره في الآية المتقدّمة هو أنه تعالى فعل تلك الأفعال ليحصل استيلاء المؤمنين على الكافرين على وجه يكون معجزة دالة على صدق النبيّ صلى الله عليه وسلم والمقصود من ذكره هنا ليس هو ذلك المعنى بل المقصود أنه تعالى ذكر هنا أنه قلل عدد المؤمنين في أعين الكفار، فبين تعالى أنه إنما فعل ذلك ليصير ذلك سببًا؛ لئلا يبالغ الكفار في تحصيل الاستعداد والحذر فيصير ذلك سببًا لانكسارهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت