قوله تعالى: {وَالضُّحَى}
قسم، وقد مرّ الكلام على ذلك وخصه بالقسم لأنها الساعة التي كلم فيها موسى عليه السلام وألقى السحرة فيها سجدًا، وهو صدر النهار كله بدليل أنه قابله بالليل في قوله تعالى:
{وَاللَّيْلِ} ، أي: الذي به تمام الصلاح {إِذَا سَجَى} ، أي: سكن وركد ظلامه يقال ليلة ساجية ساكنة الريح، وقيل: معناه سكون الناس والأصوات فيه، وسجى البحر: سكنت أمواجه، وطرف ساج فاتر.
وقال قتادة: أقسم بالضحى الذي كلم الله تعالى فيه موسى وبليلة المعراج التي عرج فيها النبيّ صلى الله عليه وسلم
«فَإِنْ قِيلَ» : ما الحكمة في أنه تعالى قدّم هنا الضحى وفي السورة التي قبلها الليل؟
أجيب: بأنَّ لكل منهما أثرًا عظيمًا في صلاح العالم.
ولليل فضيلة السبق لقوله تعالى: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} (الأنعام: 1)
وللنهار فضيلة النور فقدّم سبحانه هذا تارة وهذا أخرى، كالركوع والسجود في قوله تعالى: {ارْكَعُواْ وَاسْجُدُواْ} (الحج: 77)
وقوله تعالى: {وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} (آل عمران: 43)
أو أنه قدّم الليل في سورة أبي بكر لأنّ أبا بكر سبقه كفر، وقدّم الضحى في سورة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه نور محض ولم يتقدّمه ذنب، أو أنَّ سورة الليل سورة أبي بكر وسورة الضحى سورة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يجعل بينهما واسطة بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
«فَإِنْ قِيلَ» : ما الحكمة في كونه تعالى ذكر الضحى، وهو ساعة وذكر الليل بجملته؟
أجيب: بأنَّ في ذلك إشارة إلى أن ساعة من نهار توازن جميع الليل كما أن محمدًا صلى الله عليه وسلم يوازن جميع الأنبياء عليهم السلام، وأيضًا الضحى وقت السرور والليل وقت الوحشة ففيه إشارة إلى أنَّ سرور الدنيا أقل من شرورها، وأنّ هموم الدنيا أدوم من سرورها، فإنّ الضحى ساعة والليل ساعات.
ويروى أنَّ الله تعالى لما خلق العرش أظلت غمامة سوداء ونادت ماذا أمطر؟
فأجيبت: أن امطري السرور ساعة فلهذا ترى الهموم والأحزان دائمة والسرور قليلًا ونادرًا، وقدّم ذكر الضحى وأخر الليل؛ لأنه يشبه الموت.