فهرس الكتاب

الصفحة 530 من 1929

{وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا}

أي: تصديقًا ويقينًا؛ لأن زيادة الإيمان بزيادة التصديق وذلك على وجهين:

الوجه الأوّل: وهو الذي عليه عامة أهل العلم على ما حكاه الواحدي إن كل من كانت عنده الدلائل أكثر وأقوى كان أزيد إيمانًا؛ لأنّ عند حصول كثرة الدلائل وقوّتها يزول الشك ويقوى اليقين، فتكون معرفته بالله أقوى، فيزداد إيمانه، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح» .

الوجه الثاني: وهو أنهم يصدقون بكل ما يتلى عليهم من عند الله، ولما كانت التكاليف متوالية في زمنه صلى الله عليه وسلم فكلما تجدد تكليف كانوا يزدادون تصديقًا وإقرارًا، ومن المعلوم أن من صدّق إنسانًا في شيئين كان أكثر ممن يصدّقه في شيء واحد، فقوله تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} معناه: أنهم كلما سمعوا آية جديدة أتوا بإقرار جديد، فكان ذلك زيادة في الإيمان والتصديق.

«فَإِنْ قِيلَ» : إن تلك الآيات لا توجب الزيادة وإنما الموجب هو سماعها أو معرفتها؟

أجيب: بأن ذلك هو المراد من الآية، واختلفوا هل الإيمان يقبل الزيادة والنقصان أو لا؟

فالذين قالوا: إن الإيمان عبارة عن التصديق القلبي قالوا: لا يقبل الزيادة ولا النقصان، والذين قالوا: إنه مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل قالوا: يقبل الزيادة والنقصان، واحتجوا بهذه الآية من وجهين:

الأوّل: أنَّ قوله تعالى: {زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} يدل على أنَّ الإيمان يقبل الزيادة، ولو كان عبارة عن التصديق فقط لما قبل الزيادة، وإذا قبل الزيادة فقد قبل النقص.

الوجه الثاني: أنه تعالى ذكر في هذه الآية أوصافًا متعدّدة من أحوال المؤمنين، ثم قال بعد ذلك: {أُوْلئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} وذلك يدل على أنَّ تلك الأوصاف داخلة في مسمى الإيمان، وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» ففي الحديث دليل على أنَّ للإيمان أدنى وأعلى، فيكون قابلًا للزيادة والنقص، وقال عمير بن حبيب: إن للإيمان زيادة ونقصانًا، قيل له: فما زيادته وما نقصانه فقال: إذا ذكرنا الله وحمدناه، فذلك زيادته، وإذا

سهونا وغفلنا فذلك نقصانه، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: إنّ للإيمان فرائض وشرائط وحدودًا وسننًا فمن استكملها فقد استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، ثم وصف الله تعالى المؤمنين الكاملين بصفة أخرى ثالثة، وهي الاتكال عليه بقوله تعالى: {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} أي: يفوّضون جميع أمورهم إليه لا يرجون غيره، ولا يخافون سواه؛ لأنّ المؤمن إذا كان واثقًا بوعد الله تعالى ووعيده كان من المتوكلين عليه لا على غيره، وهذا الحال مرتبة عالية ودرجة شريفة، وهي أنَّ الإنسان بحيث يصير لا يبقى له اعتماد في أمر من الأمور إلا على الله تعالى، وهذه الصفات الثلاث مرتبة على أحسن صفات الترتيب، فإنّ المرتبة الأولى هي الوجل عند ذكر الله، والمرتبة الثانية هي الانقياد لمقامات تكاليفه، والمرتبة الأخيرة الانقطاع بالكلية عما سوى الله والاعتماد بالكلية على فضل الله بل الغنى بالكلية عما سوى الله، ثم إنّ هذه المراتب الثلاث أحوال معتبرة في القلوب والبواطن، ثم انتقل منها إلى رعاية أحوال الظاهر فقال:

{الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت