فهرس الكتاب

الصفحة 1623 من 1929

قوله تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5) }

روي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل ببني النضير وتحصنوا بحصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فجزع أعداء الله تعالى عند ذلك وقالوا: يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح، أفمن الصلاح عقر الشجر وقطع النخل، وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض، فوجد المسلمون في أنفسهم من قولهم وخشوا أن يكون ذلك فسادًا، واختلفوا في ذلك فقال بعضهم لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا، وقال بعضهم: بل نغيظهم بقطعه فأنزل الله تعالى هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه من الأثم، وإن ذلك كان بإذن الله وعن ابن عمر قال: «حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وقطع» واللام في قوله تعالى: {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} متعلقة بمحذوف، أي: وأذن في قطعها ليخزي اليهود في اعتراضهم بأن قطع الشجر المثمر فساد، وليسر المؤمنين ويعزهم، وليخزي الفاسقين.

«فَإِنْ قِيلَ» : لم خصت اللينة بالقطع؟

أجيب: بأنه إن كانت من الألوان فليستبقوا لأنفسهم العجوة والبرنية، وإن كانت من كرام النخل فليكون غيظ اليهود أشدّ.

واحتجوا بهذه الآية على أنَّ حصون الكفرة وديارهم يجوز هدمها وتحريقها وتغريقها، وأن ترمى بالمناجيق، وكذا أشجارهم.

وعن ابن مسعود: أنهم قطعوا منها ما كان موضعًا للقتال، وروي: أنَّ رجلين كانا يقطعان أحدهما العجوة والآخر اللون فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هذه تركتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هذا قطعتها غيظًا للكفار.

وقد استدل به على جواز الاجتهاد، وعلى جوازه بحضور النبي صلى الله عليه وسلم لأنهما بالاجتهاد فعلا ذلك، واحتج به من يقول: كل مجتهد مصيب.

وقال الكيا الطبري: وإن كان الاجتهاد يبعد في مثله مع وجود النبيّ صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، ولا شك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ذلك وسكت، فتلقوا الحكم من تقريره فقط.

قال ابن العربي: وهذا باطل لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معهم، ولا اجتهاد مع حضوره صلى الله عليه وسلم وإنما يدل على اجتهاد النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما لم ينزل عليه أخذًا بعموم الأدلة للكفار ودخولًا للإذن في الكل بما يقضي عليهم بالبوار، وذلك قوله تعالى: {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت