فهرس الكتاب

الصفحة 1048 من 1929

{وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27) }

«فَإِنْ قِيلَ» : لمَ لَمْ يقل: إني مهاجر إلى حيث أمرني ربي مع أنَّ المهاجرة توهم الجهة؟

أجيب: بأنَّ هذا القول ليس في الإخلاص كقوله إلى ربي لأنّ الملك إذا صدر منه أمر برواح الأخيار ثم إن واحدًا منهم سار إلى ذلك الموضع لغرض نفسه فقد هاجر إلى حيث أمره الملك ولكن ليس مخلصًا لوجهه فلذا قال مهاجر إلى ربي يعني يوجهني إلى الجهة المأمور بالهجرة إليها ليس طلبًا للجهة وإنما هو طلب لله، ثم علل ذلك بما يسليه عن فراق أرضه وأهل ودّه من ذوي رحمه وأنسابه بقوله: {إِنَّهُ هُوَ} أي: وحده {العَزِيزُ} أي: فهو جدير بإعزاز من انقطع إليه {الْحَكِيمُ} فهو إذا أعز أحدًا منعته حكمته من التعرّض له بالإذلال بفعل أو مقال، ولما كان التقدير فأعززناه بما ظنّ بنا عطف عليه قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ} أي: بعظيم قدرتنا شكرًا على هجرته {وَإِسْحَاقَ} من زوجته سارة رضي الله تعالى عنها التي جمعت إلى العقم في شبابها اليأس في كبرها {وَيَعْقُوبُ} من ولده إسحاق عليهما السلام

«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَ لَمْ يذكر إسماعيل عليه السلام وذكر إسحاق وعقبه؟

أجيب: بأن هذه السورة لما كان السياق فيها للامتحان وكان إبراهيم عليه السلام قد ابتلي في إسماعيل بفراقه مع أمّه ووضعهما في مضيعة من الأرض لا أنيس فيها لم يذكره تصريحًا في سياق الامتنان، وأفرد إسحاق لأنه لم يبتل فيه بشيء من ذلك، ولأن الامتنان به لكون أمّه عجوزًا عقيمًا أكبر وأعظم لأنها أعجب، وذكر إسماعيل تلويحًا في قوله تعالى {وَجَعَلْنَا} أي: بعزتنا وحكمتنا {فِي ذُرِّيَّتِهِ} من ولد إسحاق وإسماعيل عليهما السلام {وَالنُّبُوَّةَ} فلم يكن بعده نبيّ أجنبي عنه بل جميع الأنبياء من ذرّية إسحاق إلا نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم فإنه من ذرّية إسماعيل قاله بعض العلماء.

«فَإِنْ قِيلَ» : إن الله تعالى جعل في ذرّيته النبوة إجابة لدعائه والوالد يسوّي بين أولاده فكيف صارت النبوّة في ولد إسحاق عليه السلام أكثر؟

أجيب: بأنَّ الله تعالى قسم الزمان من وقت إبراهيم إلى يوم القيامة قسمين والناس أجمعين فالقسم الأوّل من الزمان: بعث الله تعالى فيه أنبياء فيهم فضائل جمة وجاؤوا تترى واحدًا بعد واحد مجتمعين في عصر واحد كلهم من ذرّية إسحاق عليه السلام، ثم في القسم الثاني: من الزمان: أخرج من ذرّية ولده إسماعيل عليه السلام واحدًا اجتمع فيه ما كان فيهم وأرسله إلى كافة الخلق وهو محمد صلى الله عليه وسلم وجعله خاتم النبيين، وقد دام الخلق على دين أولاد إسحاق أكثر من أربعة آلاف سنة ولا يبعد أن تبقى الخلق على دين ذرية إسماعيل ذلك المقدار {وَالْكِتَابِ} فلم ينزل كتاب إلا على أولاده.

«فَإِنْ قِيلَ» : لم أفرد الكتاب مع أنها أربعة التوراة والإنجيل والزبور والفرقان؟

أجيب: بأنه أفرده ليدلّ مع تناوله جنسية الكتب الأربعة أنه لا شيء يستحق أن يكتب إلا ما أنزل فيها أو كان راجعًا إليها ولو جمع لم يفد هذا المعنى {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ} على هجرته {فِي الدُّنْيَا} بما خصصناه به مما لا يقدر عليه غيرنا من سعة الرزق ورغد العيش وكثرة الولد والحزم في الشيخوخة وكثرة النسل، والثناء الحسن والمحبة من جميع الخلق وغير ذلك.

(فائدة)

قال الرازي: وفي الآية لطيفة وهي أنَّ الله تعالى بدل جميع أحوال إبراهيم عليه السلام في الدنيا بأضدادها لما أراد القوم تعذييه بالنار كان وحيدًا فريدًا فبدل الله تعالى وحدته بالكثرة حتى ملأ الدنيا من ذريته، ولما كان أوّلًا بعث إلى قومه وأقاربه الأقربين ضالين مضلين من جملتهم آزر بدل الله تعالى أقاربه بأقارب مهتدين هادين وهم ذرّيته الذين جعلت فيهم النبوّة والكتاب، وكان أولًا لا جاه له ولا مال وهما غاية المذلة الدنيوية آتاه الله تعالى من المال والجاه حتى كان له من المواشي ما علم الله تعالى عدده حتى قيل إنه كان له اثنا عشر ألف كلب حارس بأطواق الذهب، وأما الجاه فصار بحيث تقرن الصلاة عليه بالصلاة على سائر الأنبياء إلى يوم القيامة فصار معروفًا بشيخ المرسلين بعد أن كان خاملًا حتى قال قائلهم (سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) وهذا الكلام لا يقال إلا للمجهول عند الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت