فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 1929

قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ}

أي: طبع واستوثق فلا يدخلها إيمان ولا خير، والختم: الكتم، سمي به الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه لأنه كتم له {وَعَلَى سَمْعِهِمْ} أي: مواضعه فلا ينتفعون بما يسمعونه من الحق، وقوله تعالى: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ} أي: أعينهم {غِشَاوَةٌ} مبتدأ وخبر أي: على أعينهم غطاءً من عند الله تعالى فلا يبصرون الحق وعبر الله تعالى عن إحداث هذه الهيئة بالطبع في قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} (النحل، 108) وبالإغفال في قوله تعالى: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} (الكهف، 28) وبالإقساء في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} (المائدة، 13) وهذه الهيئة من حيث أنَّ الممكنات بأسرها مستندة إلى الله تعالى واقعة بقدرته أسندت إليه تعالى ومن حيث أنها مسببة عما اقترفوه بدليل قوله تعالى: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} (النساء، 155) وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} (المنافقون، 3) وردت الآية مظهرة عليهم شناعة صفتهم ووخامة عاقبتهم.

«فَإِنْ قِيلَ» : لم وحد السمع دون القلوب والأبصار؟

أجيب: بأنه على حذف مضاف مثل وعلى حواس سمعهم كمواضعه كما مرّ تقديره أو باعتبار الأصل فإنه مصدر في أصله والمصادر لا تثنى ولا تجمع والأبصار جمع بصر وهو إدراك العين وقد يطلق مجازًا على القوّة الباصرة وعلى العضو وكذا السمع، قال البيضاويّ: ولعل المراد بهما في الآية العضو لأنه أشدّ مناسبة للختم والتغطية وبالقلب ما هو محل العلم وقد يطلق القلب ويراد به العقل والمعرفة، كما قال الله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} أي: عقل، وأمال أبو عمرو ألف أبصارهم وكذا كل ألف بعدها راء مكسورة متطرّفة وإنما جاز إمالتها مع الصاد لأنّ الراء المكسورة تغلب المستعلية لما فيها من التكرير.

{وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ}

أي: قوي دائم في الآخرة وهذا وعيد وبيان لما يستحقونه، والعذاب كلّ ما يعيي الإنسان ويشق عليه، وقال الخليل: العذاب ما يمنع الإنسان عن مراده ومنه الماء العذب لأنه يمنع العطش.

وإنما وصف العذاب بالعظيم دون الكبير لأن العظيم فوقه، لأنّ العظيم نقيض الحقير والكبير نقيض الصغير، وإذا كان الحقير مقابلًا للعظيم والصغير، للكبير كان العظيم فوق الكبير لأنّ العظيم لا يكون حقيرًا والكبير قد يكون حقيرًا كما أنَّ الصغير قد يكون عظيمًا، وتنكير الغشاوة والعذاب للتنويع لأنهما لما قرنا بالختم على القلوب كان المعنى نوعًا عظيمًا منه أي: على أبصارهم غشاوة ليس وما يتعارفه الناس وهو التعامي عن الآيات ولهم من الآلام العظام نوع لا يعلم كنهه إلا الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت