فهرس الكتاب

الصفحة 709 من 1929

{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ}

وقوله تعالى: {مِن دَآبَّةٍ} يجوز أن يكون بيانًا لما في السماوات وما في الأرض جميعًا على أنَّ في السماوات خلقًا لله يدبون فيها كما تدب الأناسيّ في الأرض، وأن يكون بيانًا لما في الأرض وحده، ويراد بما في السماوات الخلق الذي يقال له الروح، وأن يكون بيانًا لما في الأرض ويراد بما في السماوات الملائكة وكرّر ذكرهم بقوله تعالى: {وَالْمَلائِكَةِ} خصوصًا من بين الساجدين لأنهم أطوع الخلق وأعبدهم ويجوز أن يراد بما في السماوات ملائكتهنّ وبقوله تعالى: {وَالْمَلائِكَةِ} ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم.

«فَإِنْ قِيلَ» : سجود المكلفين مما انتظمه هذا الكلام خلاف سجود غيرهم فكيف عبر عن النوعين بلفظ واحد؟

أجيب: بأنَّ المراد بسجود المكلفين طاعتهم وعبادتهم وبسجود غيرهم انقياده لإرادة الله تعالى وأنه غير ممتنع عليه وكلا السجودين يجمعهما معنى الانقياد فلم يختلفا فلذلك جاز أن يعبر عنهما بلفظ واحد.

«فَإِنْ قِيلَ» : هلا جيء بـ (مَن) دون (ما) تغليبًا للعقلاء من الدواب على غيرهم؟

أجيب: بأنه لو جيء بمن لم يكن فيه دليل على التغليب فكان متناولًا للعقلاء خاصة فجيء بما هو صالح للعقلاء وغيرهم إرادة للعموم.

{وَهُمْ} أي: الملائكة {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عن عبادته ثم علل تخصيصهم بقوله تعالى دلالة على أنهم كغيرهم في الوقوف بين الخوف والرجاء.

{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ} أي: الموجد لهم المدبر لأمورهم المحسن إليهم خوفًا مبتدأ {مِن فَوْقِهِمْ} إشارة إلى علو الخوف عليهم وغلبته لهم، أو أن يرسل عليهم عذابًا من فوقهم أو يخافونه وهو فوقهم بالقهر كقوله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} (الأنعام: 18) .

وقوله تعالى: {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} (الأعراف: 127)

والجملة حال من الضمير في لا يستكبرون، أو بيان له أو تقرير لأنّ من خاف الله لا يستكبر عن عبادته.

{وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} أي: من الطاعة والتدبير وفي ذلك دليل على أنَّ الملائكة مكلفون مدارون على الأمر والنهي والوعد والوعيد كسائر المكلفين وأنهم بين الخوف والرجاء، كما مرّت الإشارة إليه وأنهم معصومون من الذنوب لأنّ قوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} يدل على أنهم منقادون لخالقهم وأنهم ما خالفوا في أمر من الأمور كما قال تعالى: {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} (الأنبياء: 27) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت