فهرس الكتاب

الصفحة 1867 من 1929

{فَأَلْهَمَهَا}

أي: النفس {فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: بين لها الخير والشرّ، وعنه: علمها الطاعة والمعصية. وعن أبي صالح: عرّفها ما تأتي وما تتقي.

وقال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها.

وقال ابن زيد: جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى وخذلانه إياها للفجور. واختار الزجاج هذا وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان.

قال البغوي: وهذا بين أنَّ الله تعالى خلق في المؤمن التقوى وفي الكافر الفجور وعن أبي الأسود الدؤلي قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيء قضى عليهم من قدر سبق أو فيما يستقبلونه مما أتاهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم وثبتت الحجة عليهم؟

قلت: بل شيء قضى عليهم، ومضى عليهم، فقال: أفلا يكون ظلمًا؟

قال: ففزعت منه فزعًا شديدًا وقلت: إنه ليس شيء إلا وهو خلقه وملك يده {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (الأنبياء: 23)

فقال لي سدّدك الله إنما سألتك لأختبر عقلك. إنّ رجلًا من جهينة أو مزينة أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس ويكادحون فيه أشيء قضى الله عليهم من قدر سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وأكدت به الحجة، فقال: في شيء قد مضى عليهم، قال فقلت: ففيم العمل الآن؟

قال: من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه الله لها.

وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} ».

وعن جابر قال: «جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فيم العمل اليوم فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أو فيما يستقبل؟

قال: «بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير.

قال: ففيم العمل؟

قال: اعملوا وكل ميسر لما خلق له».

واختلف في جواب القسم فأكثر المفسرين على أنه: {قَدْ أَفْلَحَ} ، أي: ظفر بجميع المرادات، والأصل: لقد وإنما حذفت لطول الكلام.

وقيل: إنه ليس بجواب وإنما جيء به تابعًا لقوله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء، والجواب محذوف تقديره: ليدمدمن الله عليهم، أي: أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دمدم على ثمود؛ لأنهم قد كذبوا صالحًا أو لتبعثن، وقيل: هو على التقديم والتأخير من غير حذف.

والمعنى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} ، أي: طهرها من الذنوب ونماها وأصلحها، وصفاها تصفية عظيمة مما يسره الله تعالى له من العلوم النافعة والأعمال الصالحة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت