فهرس الكتاب

الصفحة 1183 من 1929

ولما سلب تعالى عن شركائهم أن يملكوا شيئًا من الأكوان، وأثبت جميع الملك له وحده، وأمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقررهم بما يلزم منه ذلك بقوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاوَاتِ} أي: بالمطر {وَالأَرْضِ} أي: بالنبات، وأفرد الأرض لأنهم لا يعلمون غيرها، ثم أمره تعالى أن يتولى الإجابة بقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ} أي: إن لم يقولوا رازقنا الله تعالى فقل أنت: إن رازقكم الله وذلك للإشعار بأنهم يقرون به بقلوبهم إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به، لأن الذي تمكن من صدورهم من العناد وحب الشرك قد ألجم أفواههم عن النطق بالحق مع علمهم بصحته؛ ولأنهم إن تفوهوا بأن الله تعالى رازقهم لزمهم أن يقال لهم: فما لكم لا تعبدون من يرزقكم وتؤثرون عليه من لا يقدر على الرزق، ألا ترى إلى قوله تعالى {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ} (يونس: 31)

{أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ} (يونس: 31)

حتى قال: {فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} (يونس: 31)

ثم قال تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ} (يونس: 32)

فكأنهم كانوا يقرون بألسنتهم مرة، ومرة يتلعثمون عنادًا وفرارًا وحذرًا من إلزام الحجة ونحوه قوله عز وجل {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا} (الرعد: 16)

وأمر بأن يقول لهم بعد الإلزام والإلجام الذي إن لم يزد على إقرارهم بألسنتهم لم يتقاصر عنه {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ} أي: أحد الفريقين من الذين يوحدون الرازق من السماوات والأرض بالعبادة، ومن الذين يشركون به الجماد الذي لا يوصف بالقدرة {لَعَلَى هُدًى} أي: في متابعة ما ينبغي أن يعمل مستعلين عليه {أَوْ فِي ضَلاَلٍ} عن الحق {مُّبِينٌ} أي: بين في نفسه داع لكل أحد إلى معرفة أنه ضلال، وهذا ليس على طريق الشك لأنه صلى الله عليه وسلم لم يشك أنه على هدى ويقين، وأن الكفار على ضلال مبين، وإنما هذا الكلام جار على ما تخاطب به العرب من استعمال الإنصاف في محاوراتهم على سبيل الفرض والتقدير، ويسميه أهل البيان الاستدراج، وهو أن يذكر لمخاطبه أمرًا يسلمه وإن كان بخلاف ما يذكر حتى يصغي إلى ما يلقيه إليه، إذ لو بدأه بما يكره لم يصغ، ونظيره قولهم: أخزى الله الكاذب مني ومنك، ومثله قول حسان رضي الله تعالى عنه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا سفيان:

أتهجوه ولست له بكفء. . . فشركما لخيركما الفداء

فإن أبي ووالدتي وعرضي. . . لعرض محمد منكم وقاء

مع العلم لكل أحد أنه صلى الله عليه وسلم خير خلق الله كلهم.

(تنبيه)

ذكر تعالى في الهدى كلمة (على) وفي الضلال كلمة (في) لأن المهتدي كأنه مرتفع مطلع فذكر بكلمة التعالي فكأنه مستعل على فرس جواد يركضه حيث شاء، والضال منغمس في الظلمة غريق فيها فأتى بكلمة في فكأنه منغمس في ظلام مرتبك فيه لا يدري أين يتوجه قال البغوي: وقال بعضهم: أو بمعنى الواو والألف فيه صلة كأنه يقول: وإنا وإياكم لعلى هدى وفي ضلال مبين يعني: نحن على الهدى وأنتم في الضلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت