(تنبيه)
كما قدّم السماء على الأرض قدم ما هو من السماء وهو البرق والمطر على ما هو من الأرض وهو الإنبات والإحياء، وكما أن في إنزال المطر وإنبات الشجر منافع كذلك في تقديم الرعد والبرق على المطر منفعة، وهي أنَّ البرق إذا لاح فالذي لا يكون تحت كن يخاف الابتلال فيستعد له، والذي له صهريج أو مصنع يحتاج إلى الماء، أو زرع يسوي مجاري الماء وأيضًا أهل البوادي لا يعلمون البلاد المعشبة إن لم يكونوا قد رأوا البروق اللائحة من جانب دون جانب.
واعلم أن دلائل البرق وفوائده وإن لم تظهر للمقيمين في البلاد فهي ظاهرة للبادين، فلهذا جعل تقديم البرق على تنزيل الماء من السماء نعمة وآية.
«فَإِنْ قِيلَ» : ما الحكمة في قوله تعالى هنا {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} وفيما تقدم {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ؟
أجيب: بأنه لما كان حدوث الولد من الوالد أمرًا عاديًا مطردًا قليل الاختلاف كان يتطرق إلى الأوهام العامية أنَّ ذلك بالطبيعة لأنّ المطرد أقوى إلى الطبيعة من المختلف، والبرق والمطر ليس أمرًا مطردًا غير مختلف بل يختلف إذ يقع ببلدة دون بلدة، وفي وقت دون وقت، وتارة يكون قويًا وتارة يكون ضعيفًا، فهو أظهر في العقل دلالة على الفاعل المختار فقال هو آية لمن كان له عقل وإن لم يتفكر تفكرًا تامًا.