(فائدة)
عاب المبرد وغيره قول الشافعي رضي الله تعالى عنه: كل ماء من بحر عذب أو مالح فالتطهر به جائز وقالوا: إنه لحن وإنما يقال: ملح كما قال تعالى {وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} وهم مخطئون في ذلك كما قيل:
وكم من عائب قولًا صحيحًا. . . وآفته من الفهم السقيم
ولكن تأخذ الآذان منه. . . على قدر القريحة والفهوم
قال النووي: وأجاب أصحابنا بأجوبة: أصحها أن فيه أربع لغات: ملح ومالح ومليح وملاح بضم الميم وتخفيف اللام قال عمر بن أبي ربيعة:
ولو تفلت في البحر والبحر مالح. . . لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا
وقال آخر:
وللرزق أسباب تروح وتغتدي. . . وإني منها غير غاد ورائح
قنعت بثوب العدم من حلة الغنى. . . ومن بارد عذب زلال بمالح
وقال محمد بن حازم:
تلونت ألوانًا علي كثيرة. . . وخالط عذبًا من إخائك مالح
وقال خالد بن يزيد بن معاوية في رملة بنت الزبير:
ولو وردت ماء وكانت قبيله. . . مليحًا شربنا ماءه باردًا عذبًا
وقال الخطابي: يقال: ماء ملاح كما يقال: أجاج وزعاق وزلال قال: وإنما نزل الشافعي من اللغة العالية إلى التي هي أدنى للإيضاح وحسمًا للإشكال والالتباس؛ لئلا يتوهم متوهم أنه أراد بالملح المذاب فيظن أن الطهارة به جائزة.
وثاني الأجوبة: أن الشافعي إمام في اللغة فقوله فيها حجة.
وثالثها: أن هذه اللفظة ليست من كلام الشافعي ولم يذكرها بل من كلام المزني وهذا ليس بشيء، وكيف ينسب الخطأ إلى المزني وعنه مندوحة، وقولهم: لم يذكرها الشافعي غير صحيح وقد أنكره البيهقي وقال: بل سمى الشافعي البحر مالحًا في كتابين «أمالي الحج» و «المناسك الكبير» .
فائدة أخرى: وهي أن ابن عمر قال في البحر: التيمم أحب إلينا منه وقال: بحركم هذا نار وتحت النار بحر حتى عد سبعة أبحر وسبعة أنوار، ولكن روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يطهره البحر فلا طهره الله» ويؤول كلام ابن عمر بأنه سيصير يوم القيامة نارًا أو بأنه مهلكة يهلك كما تهلك النار، ولما كان الأكل والاستخراج من المنافع العامة عمَّ الخطاب.