واختلف في هذه الثمانية فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك، وعن الحسن رضي الله عنه: الله أعلم كم هم أثمانية أم ثمانية آلاف أم ثمانية صفوف، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن حملة العرش اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أمدّهم الله تعالى بأربعة أخرى فكانوا ثمانية على صورة الأوعال» .
وفي رواية: ثمانية أوعال من أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى سماء، وفي حديث آخر: «لكل ملك منهم وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر، وكل وجه منها يسأل الله الرزق لذلك الجنس» .
«فَإِنْ قِيلَ» : إذا لم يكن فيهم صورة الوعل فكيف سموا أوعالًا؟
أجيب: بأن وجه الثور إذا كانت له قرون أشبه الوعل. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش: إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» .
أخرحه أبو داود بإسناد صحيح، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: حملة العرش ما بين أخمص أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام، ومن كعبه إلى ركبته خمسمائة، ومن ترقوته إلى موضع القرط مسيرة خمسمائة عام، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: الذين يحملون العرش ما بين سوق أحدهم إلى مؤخر عينه خمسمائة عام. وفي الخبر أن فوق السماء السابعة ثمانية أوعال بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء وفوق ظهورهن العرش، وفي حديث مرفوع أن حملة العرش ثمانية أملاك على صورة الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عامًا للطائر المسرع، وروي أن أرجلهن في الأرض السابعة، وإضافة العرش إلى الله تعالى كإضافة البيت إليه وليس البيت للسكنى فكذلك العرش ليس للجلوس تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، فإنه الخالق للعرش ولحملة العرش ولا تحيط به جهة وهو العلي العظيم.
وعن شهر بن حوشب قال حملة العرش ثمانية: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك، وأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهمّ وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك.
ولما بلغ تعالى النهاية في تحذير العباد من يوم التناد وكان لهم حالتان عامة وخاصة، فالعامة العرض والخاصة التقسيم إلى محسن ومسيء زاده عظمًا بقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ} أي: إذ كان جميع ما تقدم {تُعْرَضُونَ} على الله للحساب كما يعرض السلطان الجند لينظر في أمرهم ليختار منهم المصلح للتقريب والإكرام، والمفسد للإبعاد والتعذيب، عبر بالعرض عن الحساب الذي هو جزؤه، والمحسن لا يكون له غير ذلك والمسيء يناقش.
قال الرازي: والعرض للمبالغة في التهديد يعني تعرضون على من لا تخفى عليه خافية.
قال القرطبي: هذا هو العرض على الله تعالى ودليله {وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفًَّا} (الكهف: 48)
وليس ذلك عرضًا ليعلم ما لم يكن عالمًا به، بل ذلك العرض عبارة عن المحاسبة والمساءلة وتقرير الأعمال عليهم للمجازاة قال صلى الله عليه وسلم «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» .