{إِذْ نَفَشَتْ} أي: انتشرت ليلًا بغير راع {فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} فرعته، قال قتادة: النفش في الليل والعمل في النهار {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ} أي: الحكمين والمتحاكمين إليهما {شَاهِدِينَ} أي: كان ذلك بعلمنا ومرأى منّا لا يخفى علينا علمه، وقال الفرّاء: جمع الاثنين فقال لحكمهم ويريد داود وسليمان؛ لأن الاثنين جمع وهو مثل قوله تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} (النساء: 110)
وهو يريد أخوين، قال ابن عباس وقتادة وذلك أن رجلين دخلا على داود عليه السلام أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع: إنّ هذا انفلتت غنمه ليلًا، فوقعت في حرثي، فأفسدته، فلم تبق منه شيئًا، فأعطاه داود رقاب الغنم بالحرث فخرجا فمرّا على سليمان عليه السلام فقال: كيف قضى بينكما، فأخبراه، فقال سليمان وهو ابن إحدى عشر سنة: لو وليت أمرهما لقضيت بغير هذا، وروي أنه قال: غير هذا أرفق بالفريقين، فأخبر بذلك داود، فدعاه فقال: كيف تقضي، ويروى أنه قال بحق النبوة والأبوّة إلا ما أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين، قال: ادفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بدرّها ونسلها وصوفها، ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه، فإذا صار الحرث كهيئته دفع إلى أهله وأخذ صاحب الغنم غنمه، فقال داود: القضاء ما قضيت. كما قال تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا} أي: الحكومة {سُلَيْمَانَ} أي: علمناه القضية وألهمناها له.
(تنبيه)
يجوز أن تكون حكومتهما بوحي إلا أنَّ حكومة داود نسخت بحكومة سليمان، ويجوز أن تكون باجتهاد إلا أن اجتهاد سليمان أشبه بالصواب
«فَإِنْ قِيلَ» : ما وجه كل واحدة من الحكومتين؟
أجيب: بأنَّ وجه حكومة داود أنَّ الضرر وقع بالغنم فسلمت بجنايتها إلى المجني عليه.
كما قال أبو حنيفة في العبد إذا جنى على النفس يدفعه المولى بذلك أو يفديه، وعند الشافعي يبيعه في ذلك، أو يفديه، ولعل قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث.
ووجه حكومة سليمان: أنه جعل الانتفاع بالغنم بإزاء ما فات من الانتفاع بالحرث من غير أن يزول ملك المالك عن الغنم، وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث حتى يزول الضرر والنقصان، مثاله ما قال أصحاب الشافعي فيمن غصب عبدًا وأبق من يده أنه يضمن بالقيمة، فينتفع بها المغصوب منه بإزاء ما فوته الغاصب من منافع العبد، فإذا ظهر ترادَّا.
«فَإِنْ قِيلَ» : لو وقعت هذه الواقعة في شريعتنا ما حكمها؟
أجيب: بأن أبا حنيفة وأصحابه لا يرون فيها ضمانًا بالليل أو بالنهار إلا أن يكون مع البهيمة سائق أو قائد لقوله صلى الله عليه وسلم «جرح العجماء جبار» ، أي: هدر رواه الشيخان وغيرهما، والشافعي وأصحابه يوجبون الضمان بالليل إذ المعتاد ضبط الدواب ليلًا، ولذلك قضى النبيّ صلى الله عليه وسلم لما دخلت ناقة البراء حائطًا وأفسدته، فقال على: «أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل الماشية حفظها بالليل» ، ولما كان ذلك ربما أوهم شيئًا في أمر داود، نفاه بقوله تعالى: {وَكُلاَ} أي: منهما {آتَيْنَا حُكْمًا} أي: نبوّة وعملًا مؤسسًا على حكمة العلم {وَعِلْمًا} مؤيدًا بصالح العمل، وعن الحسن لولا هذه الآية لرأيت القضاة قد هلكوا، ولكنه تعالى أثنى على سليمان عليه السلام لصوابه، وعلى داود باجتهاده انتهى، وهذا على الرأي الثاني، وعليه أكثر المفسرين، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا حكم الحاكم فاجتهد، فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ، فله أجر» ، وهل كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد لا بعينه؟
رأيان أظهرهما الثاني، وإن كان مخالفًا لمفهوم الآية إذ لو كان كل مجتهد مصيبًا لم يكن للتقسيم في الحديث معنى وقوله صلى الله عليه وسلم وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر لم يرد به أنه يؤجر على الخطأ بل يؤجر على اجتهاده في طلب الحق؛ لأنّ اجتهاده عبادة، والإثم في الخطأ عنه موضوع.