معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 419
فبعد انتهاء رحلة الابتلاء، ومحو ظروفها، لا بدّ أن تأتي النّشأة الأخرى، بعثا للحساب وفصل القضاء وتحقيق الجزاء بالفضل أو بالعدل، وهذه الحياة الأخرى هي حياة البقاء، وفيها دار كرامة اللّه لمستحقّي الخلود في النّعيم بوعد اللّه الكريم. وفيها دار الإهانة، للمعذّبين، وللذين يخلدون فيها من الكفرة والفجرة والمجرمين.
فما أبدع الإيجاز وأعمق دلالاته في قول اللّه عزّ وجلّ خطابا للمكذّب بيوم الدّين:
فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (8) ؟!!
بهذا قامت على الإنسان الحجّة العقليّة البرهانيّة على ضرورة الدّين بمعنى الجزاء، فلا عذر له إذا أنكره أو كذّب بالأنباء الواردة بشأنه عن الرّبّ جلّ جلاله.
(ما) : اسم استفهام، والمعنى: أيّ شيء يحملك أيّها الإنسان على التكذيب بنبإ يوم الدّين.
(الدين) : يأتي في اللّغة بمعنى الجزاء، وهذا المعنى هو المراد هنا.
تقول لغة: دنت فلانا على عمله، إذا جازيته عليه، قال الشاعر العربيّ:
دنّا تميما كما كانت أوائلنا ... دانت أوائلهم من سالف الزّمن
أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ: استفهام فيه معنى الإنكار على الكافر المكذّب بنبإ الدّين، مع تنبيهه على الحجّة العقليّة الّتي تدلّ ذوي الألباب على ضرورة الدّين، الّذي لا بدّ أن تقضي به حكمة أحكم الحاكمين.
وبهذا تمّ تدبّر سورة"التين"
والحمد للّه على فتحه وتوفيقه