معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 555
وتدبّر عبارة"رَبِّ الْعالَمِينَ"* يتطلّب استدعاء اللّوازم الفكريّة الّتي تلزم عن كونه ربّ العالمين، وهي وحدته في ربوبيته فلا شريك له فيها، وكونه مالكا لمن هو ربّهم، فهم عبيده، وملكا عليهم فلا حكم إلّا حكمه ولا سلطان إلّا سلطانه، وكونه إلها لهم، فلا معبود بحقّ للعالمين سواه. كلّ هذه اللّوازم الفكريّة تأتي عقب فهم كون اللّه ربّ العالمين بالتّتبع التدبّري الذي جرّ إلى آخر حلقات سلسلة اللّوازم الفكريّة.
وهكذا ينبغي أن يكون تدبّر آيات القرآن المجيد ذي الذكر.
ولكن ليس الغرض من تدبّر آيات اللّه مجرّد التّرف العلميّ، والافتخار بتحصيل المعرفة، والتوصّل إلى كشف المعاني للتّعالي بمعرفتها واكتشافها، إنّما وراء الفهم غرض التّذكّر عند المناسبات الدّاعيات، ومع التذكّر تكون العظة، ويكون العمل بموجب العلم، وهذا التذكر المقصود لا يحظى به إلّا أولو الألباب، وهم أهل العقول الحصيفة، والأذهان النظيفة، والنّفوس الشريفة. وهذا ما دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ في الآية: وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (29) .
لبّ الرّجل: ما جعل في قلبه من العقل، ولبّ كلّ شيء خالصه وخياره فالذين لا يتدبّرون القرآن ولا يتذكّرون ما يجب أن يتذكروه منه، ليسوا بأولي ألباب.
قال اللّه عزّ وجل:
[سورة ص (38) : الآيات 30 إلى 31]
وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (31)