معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 8، ص: 339
والوحي للأنبياء والرّسل: ظاهرة معروفة في تاريخ النّبوّات والرّسالات، وهو الإعلام السّريع الخفيّ، الّذي يقوم به رسول الوحي من الملائكة بلاغا عن ربّ العالمين.
وقد سبق أن طمأن اللّه عزّ وجلّ رسوله بأنّه سيقرئه، ويجعله بقضائه وقدره لا ينسى، فقال له في سورة (الأعلى/ 87 مصحف/ 8 نزول) :
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (6) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (7) .
ومن شأن هذا البيان أن يستسلم الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم لربّه استسلاما كاملا، إلّا أنّ بشريّته قد تنزع في داخله أن يكون حريصا على تلقّي العلم الرّبّاني، فيعجل بتلاوة ما يوحى به إليه، حرصا على اكتساب العلم.
فنهاه اللّه عن التعجّل، وأمره بأن يطلب من ربّه أن يزيده علما، لئلّا يتوهّم من نهيه عن التعجّل، أنّ المراد كفّه عن الاندفاع بحرص للاستزادة من العلم، ولمّا كانت الاستزادة من العلم فضيلة عظمى، كان من الواجب عليه أن يسأل ربّه دواما، أن يزيده علما فجاء في ختام الآية قول اللّه عزّ وجلّ له:
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) .
وبهذا انتهى تدبّر الدرس الخامس على ما فتح اللّه به، والحمد للّه على منّته، ومعونته، وفضله.
*** (10) التدبّر التحليلي للدرس السادس من دروس سورة (طه) وهو الآيات من (115 - 127)
قال اللّه عزّ وجلّ:
[سورة طه (20) : الآيات 115 إلى 127]
وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى (116) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (117) إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (118) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (119)
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (120) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (121) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (122) قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (124)
قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (126) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (127)